حلبجة ـ سلام هانه دنى
في كل مرة ينحني فيها هوشيار علي بياويلي فوق جسم معدني مدفون تحت التراب، يكون على مسافة خطوة واحدة من الموت. يعرف ذلك جيداً، فقد دفع من جسده ثمناً باهظاً لهذه المهنة، وفقد ساقيه في انفجارين منفصلين. ومع ذلك، لا يزال الرجل المعروف في إقليم كردستان والعراق بلقب “هوشيار الألغام” يواصل مهمته: البحث عن الألغام، إبطال مفعولها، وإنقاذ حياة من قد لا يعرف أسماءهم أبداً.

في المناطق الحدودية الممتدة بين حلبجة وهورامان وبنجوين، لا تزال الألغام والمخلفات الحربية المدفونة تحت الأرض تشكل خطراً دائماً، رغم مرور عقود على انتهاء الحرب العراقية الإيرانية. تحولت هذه المخلفات إلى إرث ثقيل يهدد حياة المدنيين والمزارعين والرعاة، وتسببت على مر السنين في مقتل وإصابة المئات من الأبرياء. وسط هذا الخطر المستمر، يبرز اسم رجل كرّس حياته لإزالة ما تركته الحروب تحت الأرض، وحماية الناس وإعادة الأمان إلى قراهم وحقولهم.
حين يُذكر الأبطال الحقيقيون الذين وهبوا حياتهم لخدمة الإنسان، يحضر اسم هوشيار علي بياويلي بوصفه واحداً من أبرزهم. لم تمنعه الإعاقة، ولم تثنه المآسي الشخصية، عن مواصلة رسالته الإنسانية في إنقاذ الأرواح وانتشال الأرض من مخلفات الحروب التي ما زالت تحصد الضحايا حتى اليوم.

في العقد السادس من عمره، لا يزال هوشيار يخوض معركة يومية مع الموت. فمنذ أكثر من خمسة وثلاثين عاماً، كرّس حياته للبحث عن الألغام والمتفجرات ومخلفات الحروب وإبطال مفعولها. بدأت رحلته عام 1987 عندما التحق بصفوف البيشمركة، ثم خضع لدورات متخصصة في كشف الألغام وإزالتها، ليصبح واحداً من أكثر الأشخاص خبرة في هذا المجال على مستوى المنطقة.

لكن الطريق لم يكن مفروشاً بالنجاح وحده، بل كان مليئاً بالتضحيات. ففي عام 1989، وأثناء محاولته تفكيك أحد الألغام، تعرض لانفجار أدى إلى فقدانه إحدى ساقيه. ولم تمض سنوات طويلة حتى فقد ساقه الأخرى نتيجة انفجار لغم آخر في تسعينيات القرن الماضي. ومع ذلك، لم يتراجع عن مهمته، بل ازداد إصراراً على مواصلة العمل، مؤمناً بأن إنقاذ حياة إنسان واحد يستحق كل هذه التضحيات.

وتبقى حادثة عام 1994 واحدة من أكثر المواقف تأثيراً في حياته. في ذلك العام، طلب منه أهالي منطقة بنجوين التوجه إلى حقول ملغمة لتطهيرها من الألغام التي كانت تهدد حياة المدنيين. وعدهم هوشيار بالاستجابة، لكن القدر حمل له فاجعة قاسية، إذ توفي ابنه الوحيد في اليوم التالي. ورغم حجم المصاب، اختار أن يفي بوعده ويتوجه إلى بنجوين بدلاً من البقاء في مجلس العزاء. كان يقول: “يجب إزالة هذه الألغام حتى لا يفقد الآخرون أبناءهم كما فقدت ابني”. بهذه العبارة لخّص فلسفة رجل وضع حياة الناس فوق ألمه الشخصي.

لم تقتصر جهود هوشيار على حدود منطقته، بل تجاوزت ذلك إلى مستويات أوسع. فقد حظي بدعم من الحكومة اليابانية التي استضافته لسنوات عدة، حيث تلقى تدريبات متقدمة على أحدث تقنيات كشف الألغام والتعامل مع المتفجرات. كما زُوّد بأطراف صناعية ساعدته على مواصلة عمله رغم فقدانه ساقيه.
ويستخدم هوشيار في عمله أجهزة متطورة جُلبت من اليابان خصيصاً لكشف الألغام. ويوضح أن هذه الأجهزة قادرة على رصد الأجسام المعدنية المدفونة في عمق يصل إلى متر تحت سطح الأرض، إذ تصدر إشارات وإنذارات فور اقترابها من أي جسم مشبوه. وبعد تحديد الموقع، يبدأ العمل الدقيق لإبطال مفعول اللغم أو تفجيره بطريقة آمنة، بحسب نوعه وخطورته.

وخلال الحرب ضد تنظيم داعش، كان هوشيار حاضراً في الميدان، مشاركاً في تطهير المناطق المحررة من الألغام والعبوات الناسفة التي خلفتها المعارك. وعلى الرغم من تعرضه لمواقف خطيرة ومواجهته الموت مراراً، فإنه لم يتراجع عن أداء واجبه الإنساني.
وتكشف الأرقام حجم الإنجاز الذي حققه هذا الرجل خلال مسيرته الطويلة. فحتى اليوم، تمكن من إبطال مفعول أكثر من مليونين وثلاثمائة وستة وثمانين ألف لغم من مختلف الأنواع، كما ساهم في تطهير ما يقارب 540 ألف دونم من الأراضي الزراعية والمناطق السكنية. إضافة إلى ذلك، أنقذ حياة 160 شخصاً كانوا عالقين أو مهددين داخل حقول الألغام. هذه الأرقام لا تمثل مجرد إحصاءات، بل تعكس آلاف القصص الإنسانية التي كُتب لها الاستمرار بفضل جهوده.

محمد جمال، وهو أحد سكان منطقة هورامان، يؤكد أن الألغام تسببت خلال العقود الثلاثة الماضية بإصابة ما يقارب عشرة أشخاص في محيط قريتهم، فضلاً عن نفوق أعداد كبيرة من المواشي بسبب انفجار الألغام بها. ويضيف أن هوشيار زار المنطقة مرات عديدة وساهم في إزالة الألغام من الأراضي التي كانت تشكل خطراً دائماً على السكان، معتبراً أن ما يقدمه يمثل نموذجاً نادراً للخدمة الإنسانية والتضحية من أجل الآخرين.
وفي قرية بياويلة، حيث كان يقيم، تحوّل منزل هوشيار إلى متحف فريد من نوعه. فداخل المنزل وسيارته الخاصة، يحتفظ بمئات النماذج من الألغام والقذائف والمتفجرات التي أبطل مفعولها على مدى سنوات عمله. ويقول إن الهدف من هذا المتحف ليس التفاخر بما أنجزه، بل توثيق آثار الحروب وتعريف الأجيال القادمة بحجم المأساة التي خلفتها الألغام، والتي تسببت بمقتل وإصابة آلاف الأبرياء.

كما يضم منزله حفرة كبيرة دُفنت فيها أكثر من عشرة أطنان من القذائف والذخائر والمتفجرات التي جُمعت من مناطق مختلفة بعد تأمينها وإبطال خطرها. ويُعد هذا المكان شاهداً حياً على عقود من العمل المتواصل في مواجهة أحد أخطر مخلفات الحروب.
ولم يقتصر دور هوشيار على إزالة الألغام فقط، بل امتد إلى نشر ثقافة التوعية بمخاطرها. فقد زار أكثر من 600 مدرسة في محافظتي السليمانية وحلبجة، وقدم محاضرات توعوية لآلاف الطلبة. ومن خلال الصور ومقاطع الفيديو والنماذج الحقيقية، يشرح للأطفال واليافعين مخاطر الألغام وكيفية التعامل مع الأجسام المشبوهة، مؤكداً أن الوقاية والمعرفة هما الخط الدفاعي الأول لحماية الأرواح.
وقد تركت هذه المسيرة الإنسانية أثراً عميقاً في نفوس الناس، فتم إطلاق اسمه على مدارس وقرى ومرافق عامة عدة، تكريماً لرجل أفنى عمره في حماية الآخرين. ولم يكن هذا التكريم سوى تعبير بسيط عن الامتنان لشخص اختار أن يجعل من حياته مشروعاً دائماً لإنقاذ الأرواح.
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



