قصص من الشارع

في زمن الذكاء الاصطناعي والسيارات الذكية.. رجل هورامي يرفض استبدال حماره بأربع سيارات

03/07/2026

سلام هانەدنى – هورامان

في عصر يتجه فيه العالم بسرعة نحو التكنولوجيا والحياة الرقمية، لا يزال رجل من المناطق الجبلية في هورامان يعيش على نهج الآباء والأجداد، فلا يستخدم الهاتف المحمول، ولا يعرف الإنترنت، ولم يركب سيارة في حياته.

شفیع عبدالكريم، يبلغ من العمر 71 عاماً من أهالي قرية سرگتة، يعيش اليوم في قرية هانة دن بمنطقة هورامان. يقضي حياته ببساطة وهدوء، ويؤكد أنه “أسعد إنسان”، لأنه يعيش بالطريقة التي اختارها بنفسه.

لدى شفيع ابن وابنة، وقد تزوجا واستقرا في حياتهما، فيما يعيش هو الآن مع زوجته في منزل بسيط، ويعتمد في حياته اليومية على تربية الأبقار، والزراعة، ورعاية مواشيه.

بالقرب من منزله توجد عدة حظائر للحيوانات، إلى جانب حمار لا يعتبره شفيع مجرد وسيلة نقل أو حمل، بل رفيقاً وشريكاً في الحياة. يقول إنه يستخدم الحمير منذ أكثر من 30 عاماً، وقد غيّر نحو عشرة حمير خلال تلك الفترة، إلا أن حماره الحالي، الذي يرافقه منذ خمس سنوات، يحتل مكانة خاصة في قلبه.

يقول مبتسماً وهو ينظر إلى حماره: “أحبه كثيراً، وأقدم له أفضل أنواع العلف والرعاية، لأنني لا أستطيع إنجاز أعمالي من دونه”.

كل صباح، وقبل شروق الشمس، يستيقظ شفيع في الساعة الخامسة فجراً، ويأخذ أبقاره إلى الجبال للرعي، ثم يعود للعمل في بستانه، وينجز جميع أعماله على ظهر حماره. وفي المساء يخلد إلى النوم ما بين الساعة الثامنة والتاسعة ليلاً.

ويؤكد أن طبيعة المنطقة الجبلية الوعرة تجعل التنقل صعباً، لكن حماره جعل حياته أسهل بكثير، فهو ينقل عليه الحطب، والأعلاف، والمواد الغذائية، وجميع احتياجات المنزل. وحتى عند ذهابه إلى مدينة خورمال، التي تبعد نحو 70 كيلومتراً، فإنه لا يستخدم سوى حماره.

ويضيف شفيع بثقة: “لن أركب السيارة أبداً، فالسيارات تجعل الإنسان كسولاً”. ويروي أنه يذهب إلى خورمال أربع أو خمس مرات شهرياً، حيث تستغرق الرحلة ذهاباً ساعتين وإياباً ساعتين، ويحمل على حماره منتجات بستانه من التين والرمان ليبيعها في السوق، ثم يشتري الطحين والأرز والزيت ويعود بها إلى قريته.

يقول بفخر: “لا أحتاج إلى سيارة، ولن أستبدل حماري حتى بأربع سيارات”.

ورغم أن العالم اليوم يعتمد بشكل كبير على الهواتف المحمولة والإنترنت، فإن شفيع لم يستخدم هاتفاً محمولاً حتى الآن. ويعتقد أن هذه الأشياء لم تُخلق من أجله. وإذا أراد زيارة أحد، فإنه يذهب مباشرة من دون اتصال مسبق، قائلاً: “عندما أصل، سيعرفون أنني أقف عند باب منزلهم”.

ويرفض شفيع استبدال حياة القرية بأي مكان آخر، ويؤمن بأن البساطة هي سر الصحة والطمأنينة. وخلال حياته لم يدخل المستشفى سوى مرتين، ويقول: “لا أضع نفسي بين أيدي الأطباء، بل أتناول الأطعمة الطبيعية مثل اللبن، والزبدة، والفواكه، والأعشاب الربيعية، ولذلك نادراً ما أمرض”.

شفيع لم يعد معروفاً فقط بين أقاربه وأهالي قريته، بل أصبح رمزاً للحياة البسيطة في المنطقة. ففي كل مرة يصل فيها إلى أسواق وشوارع وأزقة خورمال على ظهر حماره، يلفت أنظار الناس إليه، فيلتقط الكثيرون الصور معه، ويصافحونه، ويتمنون له طول العمر والسعادة. وبالنسبة لكثيرين، يمثل شفيع صورة حية لحياة ما زالت فيها الطمأنينة والسعادة تتقدمان على التكنولوجيا والتقدم المادي.

 

ولم تقتصر بساطة شفيع على أسلوب حياته اليومية، بل انعكست أيضاً على طريقة بنائه لمساكن حيواناته. فقد شيد الحظائر الخاصة بأبقاره وحماره بالكامل من الحجر والطين والخشب، لتبدو وكأنها متحف مفتوح يعيد إلى الأذهان أساليب البناء التقليدية في هورامان قبل مئة عام. ويقول شفيع بفخر إنه بنى جميع هذه المنشآت بيديه، ولم يستخدم فيها الإسمنت أو البلوك مطلقاً، لأنه يؤمن بأن كل ما ينسجم مع الطبيعة يدوم أكثر ويمنح الإنسان راحة وطمأنينة أكبر.

وفي عالم يزداد فيه اعتماد البشر على التكنولوجيا يوماً بعد آخر، تذكرنا قصة شفيع عبدالكريم بأن هناك من لا يزال يجد السعادة والسكينة في أبسط أشكال الحياة.

                    يقول شفيع إن علاقته بالطبيعة ليست مجرد وسيلة للعيش، بل أسلوب حياة ورثه عن آبائه وأجداده. ويضيف أنه يشعر براحة نفسية كبيرة عندما يقضي يومه بين الجبال والبساتين والحيوانات، مؤكداً أن الحياة البسيطة جعلته أكثر قناعة واطمئناناً. ويؤمن بأن الإنسان كلما اقترب من الطبيعة، ازداد شعوره بالسلام الداخلي، ولذلك لم يفكر يوماً في ترك قريته أو الانتقال للعيش في المدينة.

وخلال السنوات الطويلة التي أمضاها في جبال هورامان، أصبح شفيع شاهداً على التغيرات الكبيرة التي شهدها العالم، من تطور وسائل النقل والاتصالات إلى انتشار التكنولوجيا الحديثة، لكنه ظل متمسكاً بنمط حياته التقليدي. ويقول إن الإنسان لا يحتاج إلى الكثير ليعيش سعيداً، وإن العمل اليومي والحركة المستمرة والطعام الطبيعي هي أسرار الحياة الصحية والهادئة التي يعيشها.

ويؤكد أهالي المنطقة أن شفيع أصبح جزءاً من الذاكرة الشعبية لهورامان، وأن حضوره على ظهر حماره في الأسواق والطرق الجبلية بات مشهداً مألوفاً ومحبباً لدى الجميع. وبالنسبة لكثير من أبناء المنطقة، فإن قصة شفيع ليست مجرد قصة رجل يرفض التكنولوجيا، بل هي قصة إنسان اختار أن يحافظ على أسلوب حياة يرى فيه معنى السعادة والرضا، بعيداً عن تعقيدات الحياة الحديثة

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali