قصص من الشارع

من الغضب إلى “التحشيش”.. كيف استقبل العراقيون مليارات “صولة الفجر” 

07/07/2026

فاطمة كريم- بغداد

“من هسه إذا انباكت فلوسي ما أدور عليها بالبنك… أدور عليها بدبات المي”. بهذه العبارة اختصر حسن هادي، أحد العراقيين على مواقع التواصل الاجتماعي، ردة فعل الشارع على حملة “صولة الفجر” التي يشنها رئيس الحكومة علي فالح الزيدي لملاحقة المتهمين بالتجاوز على المال العام. فالعراقيين لم يعد يفاجئهم حجم المليارات المنهوبة بقدر ما أدهشتهم الأماكن التي كانت تُخفى فيها.

وبين الضحكات والتعليقات الساخرة، كان المعلقون على وسائل التواصل يروون حكاية مريرة. فالسخرية هذه المرة لم تكن هروباً من الواقع، بل طريقة أخرى للحديث عن وطن نهبت ثرواته سنوات طويلة على يد الطبقة السياسية ونظام المحاصصة الطائفية.

حسن، شاب في الثلاثين من عمره، وخريج كلية القانون في جامعة بغداد، لم يكن خبر حملة “صولة الفجر” مختلفاً بالنسبة إليه كثيراً عن عشرات الأخبار التي سبقته. فبعد سنوات من انتظار فرصة عمل، وجد نفسه يعمل حمّالاً في سوق الشورجة لتأمين لقمة العيش، بينما بقيت شهادة القانون معلّقة على جدار منزله، شاهدة على حلم لم يكتمل.

يقول حسن: “لم أشعر بالفرح عندما سمعت عن الأموال المضبوطة، بل شعرت بحسرة أكبر. والمضحك في الأمر هو طريقتهم في إخفاء الأموال، فهذا يدل على صغر عقولهم”. ثم يكمل حديثه وفي عينيه حسرة وحزن: “كنت أتساءل: كم فرصة عمل ضاعت؟ وكم شاباً اضطر إلى ترك تخصصه والبحث عن أي مهنة تضمن له البقاء؟”

ويتابع: “لهذا سخر الناس. ليست السخرية استخفافاً بالأموال، وإنما وسيلة للدفاع عن أنفسهم من خيبة تتكرر في كل مرة. عندما يفقد الإنسان ثقته بأن العدالة ستغير واقعه، يصبح الضحك طريقته الوحيدة لتخفيف مرارة الحقيقة”.

خلف موجة السخرية التي اجتاحت الشارع، كانت الحكومة العراقية قد أطلقت، فجر 28 حزيران/يونيو 2026، عملية أمنية واسعة حملت اسم “صولة الفجر”، بإشراف رئيس الوزراء وبالتنسيق مع السلطتين التشريعية والقضائية. وأعلنت الحكومة أن الحملة تستهدف فتح ملفات فساد مالي وإداري طالت مسؤولين ونواباً وشخصيات سياسية، وأسفرت مرحلتها الأولى عن توقيف عشرات المتهمين، فيما أكدت أن التحقيقات لا تزال مستمرة، وأن الاعترافات قد تقود إلى أسماء أخرى.

وبحسب ما أعلنته الجهات الرسمية وتقارير إعلامية، كشفت التحقيقات عن أموال وموجودات تُقدَّر قيمتها بمليارات الدولارات، إلى جانب عقارات وأصول مالية مرتبطة بملفات فساد.

قبل سنوات، كان خبر الكشف عن قضية فساد كفيلاً بإشعال موجة غضب عارمة في الشارع العراقي. كانت التظاهرات والهتافات والبيانات الغاضبة هي اللغة السائدة في مواجهة ما يُكشف من ملفات نهب للمال العام. أما اليوم، فيبدو أن المشهد تغير إذ حلّت النكتة محل الصرخة، وأصبحت السخرية تتقدم على الغضب.

لم تكن المفاجأة بالنسبة إلى كثير من العراقيين في حجم الأموال التي عُثر عليها، بقدر ما كانت في الطريقة التي أُخفيت بها. فمشاهد رزم الأموال المخبأة داخل خزانات المياه، وتحت الأرض، وفي زوايا المنازل، تحولت خلال ساعات إلى مادة دسمة للسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، كأن السؤال لم يعد: “كم سُرق؟”، بل: “أين كان مخبأ كل هذا؟”

وسرعان ما امتلأت منصات التواصل بعشرات التعليقات الساخرة. فكتب أحدهم: “أطالب بتحقيق مع أختي الكبيرة، إذ إنها دائماً ما تمتلك أموالاً ولا نعلم المصدر”. وعلّق آخر: “واضح أن خزانات المياه بالعراق أصبحت تحقق أرباحاً أكثر من المصارف”. وكتب ثالث: “طلع العجز ليس في الموازنة، العجز كان بالبحث”. فيما سخر آخرون عبر نشر مقاطع فيديو على المنصات، يقلدون فيها طرق إخفاء الأموال، فمنهم من وضعها داخل سندانة نباتات، وآخرون أخفوها داخل ثلاجات منزلية.

ورغم الطابع الفكاهي لهذه التعليقات، فإنها حملت بين سطورها رسالة أكثر مرارة من الضحك. فقد بدت السخرية وسيلة للتعبير عن حجم الفجوة بين واقع يعيشه المواطن، يكافح فيه لتأمين أبسط احتياجاته، وبين مشاهد لأموال تكفي، بحسب رأي كثيرين، لتغيير وجه مدن كاملة لو أنها وُجهت إلى مشاريع التنمية والخدمات.

لذلك لم تعد التعليقات الساخرة مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبحت شكلاً من أشكال الاحتجاج الصامت. فحين يعجز المواطن عن تغيير الواقع، يلجأ إلى السخرية منه، وحين تصبح الأرقام أكبر من أن تُستوعب، تتحول إلى مادة للنكات أكثر من كونها أرقاماً تستدعي الدهشة.

ويرى الخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني أن ما كُشف حتى الآن قد لا يمثل سوى جزء من الصورة، مشيراً إلى أن الكلفة الاقتصادية للفساد في العراق تجاوزت، وفق تقديرات ودراسات مختلفة، ثلاثة تريليونات دولار منذ عام 2003 حتى الآن، فيما اندمج جزء كبير من الأموال المنهوبة في استثمارات داخلية وخارجية على مدى السنوات الماضية. ويؤكد أن استعادة المال العام لا تقتصر على العثور على مبالغ نقدية، بل تشمل أيضاً تتبع العقارات والشركات والأصول والاستثمارات التي يُشتبه في ارتباطها بعائدات الفساد، وهي عملية قد تستغرق سنوات بسبب تشعب الشبكات المالية.

ويتقاطع تصريح المشهداني مع ما أعلنته الحكومة العراقية، التي أكدت أن التحقيقات في “صولة الفجر” ما تزال مستمرة، وأن اعترافات الموقوفين تقود إلى أسماء جديدة وأموال وكشوفات غير متوقعة، في وقت وجّه فيه رئيس الوزراء وزارة المالية بفتح حساب خاص لإيداع الأموال المستردة تمهيداً لإعادتها إلى خزينة الدولة.

في سنوات سابقة، كان الاعتقاد السائد بين كثير من العراقيين أن الأموال غير المشروعة تُهرّب إلى الخارج أو تُستثمر في أسواق وعقارات خارج البلاد بعيداً عن الأنظار. ولطالما بدت بعض العواصم الإقليمية، بالنسبة إلى الرأي العام العراقي، كأنها مستودعات سرية لغنائم الفساد، حيث تدفقت مليارات عراقية، على مدى سنوات، نحو عقارات في دبي وتركيا، ومصارف في لبنان، وأسواق واستثمارات في إيران.

غير أن هذا المشهد بدأ يتغير قبل أكثر من خمس سنوات، مع الانهيار الكبير في قيمة الليرة اللبنانية والتدهور الحاد في سعر التومان الإيراني، وما تبعهما من اهتزاز الثقة بملاذات كانت تُعد، في السابق، آمنة أو أقل انكشافاً. ووفق مراقبين، دفع هذا التحول بعض أصحاب الأموال المشبوهة إلى سحب استثماراتهم أو تقليص وجودهم في الخارج، وإعادة توجيه جزء من هذه الثروات نحو الداخل العراقي، بحثاً عن ملاذ أكثر استقراراً وربحية.

هذا “الارتداد المالي” نحو السوق المحلية أحدث تخمة مالية واضحة داخل البلاد، تجلت في حمى شراء العقارات الفاخرة، والمشاريع الواجهية، والاستثمارات الضخمة في بغداد ومدن أخرى. ومع تراجع قدرة الفاسدين على إخفاء هذا السيل من الأموال خارج الحدود، بدأت مظاهر الثراء الفاحش تظهر على نحو أكثر فجاجة في الداخل، من خلال عقارات مرتفعة القيمة، وسيارات فارهة، ومشاريع لا تتناسب دائماً مع مصادر الدخل المعلنة لأصحابها.

وخلال السنوات الأخيرة، شهدت مدن عراقية توسعاً لافتاً في المجمعات السكنية الفاخرة والفنادق والجامعات الأهلية والمستشفيات الخاصة، إلى جانب مظاهر الثراء التي تتمثل في السيارات الفارهة والعقارات مرتفعة القيمة. وبقدر ما عكست هذه المشاريع حركة اقتصادية نشطة، فقد أثارت أيضاً أسئلة متزايدة حول مصادر الأموال التي تقف خلف بعضها، وحول العلاقة بين تضخم الثروات الخاصة وتراكم ملفات الفساد العام.

هكذا، لم تعد الثروات موضوعة فقط في مصارف بعيدة أو عقارات خارجية يصعب تتبعها، بل بات جزء منها مرئياً داخل المدن العراقية نفسها. وهذا الانكشاف، وفق مراقبين، جعل بعض المتهمين أكثر عرضة للملاحقة، لأن مظاهر الثراء المفاجئ تحولت بحد ذاتها إلى مؤشرات تستدعي التحقيق، وإلى خيوط قد تقود إلى شبكات أوسع من الفساد المالي والإداري.

لكن إن كانت حملة “صولة الفجر” قد كشفت جانباً من الأموال المخفية، فإن حكاية العراقيين مع الفساد لم تنتهِ. فبين الضحكات الساخرة ورزم الأموال المستخرجة من مخابئها، ما يزال المواطن ينتظر أن يجد ثروة بلاده في واقعه اليومي، في فرصة عمل، وخدمة عامة، وشارع صالح للحياة، لا في خزانات المياه ولا تحت الأرض.

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali