هورامان – سلام هانەدنى
ما إن تُفتح باب الغرفة، حتى يسبق الصوتُ الصورة. تتسلل إلى الأذن أنغامٌ خرجت من زمنٍ بعيد، وكأنها ترفض الاستسلام للصمت. وعلى رفوفٍ ازدحمت بأشرطة الكاسيت وأجهزة التسجيل القديمة، تقيم ذاكرةٌ موسيقية تختزن عقوداً من تاريخ الفن الكردي.

وسط هذا العالم يجلس إبراهيم علي، المعروف بـ«إبراهيم خورمالي»، الرجل الذي كرّس أكثر من أربعين عاماً من حياته لجمع وحفظ أرشيف الأغنية الكردية. بالنسبة إليه، لم يكن الأمر هواية عابرة، بل رسالة بدأت منذ طفولته وما زالت تكبر عاماً بعد آخر.
يقول إبراهيم إن دخوله إلى هذه الغرفة يمنحه شعوراً لا يشبه أي مكان آخر، مضيفاً: «كلما جلست هنا أشعر وكأن الدنيا كلها أصبحت ملكي. هذا الأرشيف هو جزء من حياتي، ولن أتخلى عنه ما حييت».

ويضم الأرشيف آلاف الأغاني لفنانين من هورامان وإقليم كردستان وشرق كردستان، إلى جانب أعمال لفنانين عرب، انطلاقاً من قناعة صاحب الأرشيف بأن حماية التراث الفني مسؤولية تقع على عاتق الجميع، تماماً كما تفعل شعوب العالم في الحفاظ على ذاكرتها الثقافية.

وتحضر في الأرشيف أعمال أسماء بارزة، من بينها عثمان هورامي، حمه حسين كيمينيه، جميل نوشودي، إسماعيل وعطا زلمي، نوزاد هانه دني، حمه جزا، حسن زيرك، ماملێ، وياسر خزر، إلى جانب عشرات الفنانين الآخرين الذين شكّلوا ذاكرة الغناء الكردي.
وتروي الأرقام حجم هذا الجهد؛ إذ يضم المكان أكثر من ثمانية آلاف شريط كاسيت تحتوي على نحو 56 ألف أغنية، إلى جانب ما يقارب عشرين نوعاً من أجهزة تسجيل وتشغيل الصوت القديمة، يعود عمر بعضها إلى أكثر من نصف قرن.

ويشرح إبراهيم رحلة تطور وسائل حفظ الصوت، بدءاً من أقدم أجهزة التسجيل، مروراً بأجهزة الأسطوانات والتسجيلات البكر والكاسيت، ثم الأقراص المدمجة (CD) و(DVD)، وصولاً إلى الهواتف الذكية. ويقول إنه تمكن من جمع جميع هذه الوسائل تقريباً، باستثناء أقدم جهاز تسجيل في العالم، الذي لم يتمكن حتى الآن من الحصول عليه.
أما أقدم تسجيل يحتفظ به في أرشيفه، فيعود إلى عام 1945، وما يزال محفوظاً بعناية فائقة. ويرى أن كل تسجيل قديم ليس مجرد أغنية، بل وثيقة تاريخية تحفظ جانباً من ذاكرة المجتمع.

ورغم أن عمله الأساسي في سلك الشرطة، فإن ساعات فراغه كلها تكاد تُقضى داخل هذه الغرفة. بعد انتهاء دوامه، يبدأ رحلة مختلفة؛ ينظف الأجهزة القديمة، ويرتب الأشرطة، ويستمع إلى الأغاني التي رافقته لعقود، وكأنه يعيد إليها الحياة من جديد.

ولا يترك إبراهيم شيئاً للصدفة؛ فكل شريط يحمل اسم الفنان، وتاريخ التسجيل، ومكانه، لتبقى المعلومات محفوظة كما هي، مهما مرّ عليها الزمن.
ولم يكن إنشاء هذا الأرشيف مهمة سهلة. فبعض الأشرطة والأجهزة حصل عليها هدايا من محبي الفن، بينما اشترى كثيراً منها من ماله الخاص، حتى إن أحد الأجهزة كلّفه نحو 600 ألف دينار عراقي. ويؤكد أن ما أنفقه لم يكن خسارة، لأن الحفاظ على ذاكرة الفن لا يُقاس بثمن.

وعلى الرغم من أكثر من أربعة عقود قضاها في هذا المشروع، يقول إبراهيم إنه لم يتلقَّ أي دعم أو زيارة من مؤسسة رسمية، رغم أن أرشيفه يمثل جزءاً مهماً من الذاكرة الفنية الكردية.

ومع تطور التكنولوجيا، وجد وسيلة جديدة لإحياء هذا الإرث. ففي أمسيات كثيرة، يبث عبر حسابه على مواقع التواصل الاجتماعي جلسات مباشرة يستعرض خلالها أغاني الفنانين، ويروي سيرهم الفنية، ويقدمها إلى جمهور شاب لم يعش زمن الكاسيت، لكنه ما زال يبحث عن الأصوات الأصيلة.

ولا يقتصر الأرشيف على الموسيقى، إذ يضم أيضاً مجموعة نادرة من أشرطة الفيديو التي تحتوي على مسلسلات وأعمال درامية كردية وعربية، سجلها إبراهيم بنفسه من شاشات التلفزيون، خصوصاً خلال ثمانينيات القرن الماضي، لتصبح اليوم شاهداً على مرحلة إعلامية يصعب العثور على كثير من إنتاجها.

وعن مصير الأرشيف بعد رحيله، يقول بثقة: «سأحافظ عليه ما حييت، وقد علّمت أولادي كيفية صيانة هذه الأجهزة وحفظ الأشرطة، ليبقى هذا المكان مركزاً يحفظ ذاكرة الفن للأجيال القادمة».

في زمنٍ أصبحت فيه الملفات الرقمية تُحذف بضغطة زر، يواصل إبراهيم خورمالي حراسة ذاكرة موسيقية كاملة، مؤمناً بأن الأغنية ليست مجرد لحن، بل تاريخ وهوية وحياة، وأن حفظها هو حماية لذاكرة شعب بأكمله.

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



