غير مصنف

حين صارت جماجم الجاموس شعاراً للأهوار

26/08/2026

مهدي الساعدي – المنصة

يحمل أحمد الساعدي جمجمة جاموس نافق في الوقفات والفعاليات التي يشارك فيها، محولاً إياها إلى علامة بصرية تذكّر بما فعله شح المياه في أهوار ميسان وحيواناتها. ويقول الناشط البيئي إنه أدخل هذا الرمز حتى إلى بعض المناسبات الدينية، محاولاً نقل قضية الأهوار إلى مساحات لا تكون البيئة عادةً في صدارة موضوعاتها.

برزت هذه الطريقة في حملة «#الأهوار_تستغيث»، حين صمم الساعدي مع ناشطين آخرين وسماً أرضياً باللغتين العربية والإنجليزية، بلغ طوله، بحسب القائمين عليه، 50 متراً وعرضه ثلاثة أمتار، واستخدموا جماجم الجاموس النافق في تشكيل نقاط حروفه. ووصفت بعض التغطيات المبادرة بأنها «أطول هاشتاغ في العالم».

صورة جوية لأكبر هاشتاج في العالم

وأُدرجت أهوار جنوب العراق عام 2016 على قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، ضمن موقع مختلط يجمع ثلاثة مواقع أثرية وأربع مناطق من الأهوار. وتصفها المنظمة بأنها واحدة من أكبر أنظمة الدلتا الداخلية في العالم، نشأت في بيئة شديدة الحرارة والجفاف، وتحتضن تنوعاً أحيائياً وتراثاً بشرياً ارتبط بالمياه لآلاف السنين.

وفي عام 2025، أعربت لجنة التراث العالمي عن «قلق بالغ» من استمرار شح المياه في أهوار للسنة الخامسة على التوالي، محذرةً من أن التقلبات الكبيرة في تدفقات المياه وعدم تأمين الحد الأدنى من احتياجات الموقع قد يشكلان خطراً على قيمته البيئية العالمية.

نشأ الساعدي في ميسان، وسط بيئة تجمع الأهوار والمستنقعات والمناطق البرية والتلال الحدودية. ويقول لـ«المنصة»: «أحببت منذ الصغر الطيور والحيوانات، وحاولت جاهداً التقرب منها والتعرف إلى النباتات المحيطة. لذلك كنت أقضي معظم وقتي بعد خروجي من المدرسة في المستنقعات القريبة، لأنها تحتوي على نباتات وطيور وحيوانات مختلفة».

مع مرور الوقت، اتسعت رحلاته إلى المناطق الشرقية من المحافظة والتلال القريبة من الحدود، وأصبح يقود رحلات تخييم ويرافق زواراً قادمين من خارج ميسان، كما شارك دليلاً ميدانياً في برامج إعلامية تناولت الحياة البرية في المحافظة.

يقول: «ميسان محافظة كبيرة ومتنوعة في تضاريسها، وتحتوي على كثير من الأسرار البيئية. وهي بحاجة إلى من يعرف خفاياها ويظهرها للآخرين الذين قد لا يعرفون شيئاً عن المحافظة وتنوعها».

منحه بعض أبناء مدينته لقب «طائر الأهوار»، بسبب تنقله المستمر فيها وتوثيقه الطيور والحيوانات والنباتات بالصور ومقاطع الفيديو. لكنه لا ينظر إلى التصوير بوصفه عرضاً لجمال الطبيعة فقط، بل وسيلة لتسجيل ما تتعرض له من تراجع.

«كل إنسان يحمل طموحاً خاصاً به، ولكي يحققه لا بد أن ينطلق من الصفر. كان طموحي، ولا يزال، إظهار الجانبين الإيجابي والسلبي على حد سواء، من أجل الحفاظ على البيئة والوصول إلى نتائج تنفع الفرد والمجتمع»، يقول الساعدي.

ولا يعمل أحمد منفرداً، إذ يرتبط نشاطه بشبكة من الناشطين البيئيين في ميسان ومحافظات الجنوب. يقول الناشط البيئي مرتضى الجنوبي إن الساعدي «ابن البيئة الأهوارية الميسانية»، وإن جانباً كبيراً من عمله انصب على توثيق طبيعة منطقته، إلى جانب مشاركته مع رفاقه في الاحتجاجات والوقفات الإعلامية المتعلقة بالمياه والبيئة.

ويضيف الجنوبي: «صنعت عفويته وأداؤه مقاطع توثيقية جميلة، وحضوره المتواصل في القضايا البيئية ومطالبته بحقوق أبناء ميسان يعكسان اهتمامه ببيئته ومحافظته».

من جانبه، يرى الناشط البيئي نصير باقر، من جمعية «حماة دجلة»، أن الحراك البيئي في ميسان يتميز بوجود ناشطين مرتبطين مباشرةً بالقضايا التي يعملون عليها، ولا سيما ملف الأهوار.

ويقول: «شهدت ميسان، خلال ستة أشهر من العام السابق، حراكاً حقيقياً في ملف البيئة والمياه. وكان لبعض الناشطين تأثير كبير وصل إلى حد تعرض عدد منهم للملاحقة».

لكن هذا النشاط، بحسب باقر، يواجه ضغوطاً ومحاولات لحصر العمل البيئي في أنشطة شكلية لا تترك أثراً ميدانياً. ويضيف: «النشاط البيئي في ميسان لا يختلف كثيراً عنه في بقية المحافظات؛ فهو يتعرض لضغوط وعوامل تؤدي إلى إضعافه، ومحاولات لتحويله إلى ملف شكلي تقتصر مهمته على المشاركة في نشاطات المنظمات والتدريبات من دون أثر على أرض الواقع».

يتقاطع نشاط الأفراد في ميسان مع عمل جمعيات بيئية، من بينها «حماة دجلة»، التي تنشط في حماية الأنهار والأهوار والتنوع الأحيائي، وتنظم حملات توعية ومراقبة للتلوث وتدريباً للمتطوعين. لكن نشاط هذه الجمعيات لا يعوض مسؤولية المؤسسات الحكومية عن إدارة الموارد المائية وتأمين الحصص المطلوبة للأهوار، بل يوفر مساحة للتوثيق والضغط وإشراك السكان في القضايا البيئية.

وعلى الرغم من أن جماجم الجاموس أصبحت الصورة الأكثر ارتباطاً بنشاط الساعدي، فإن عمله لا يقتصر على أزمة المياه. فقد شارك في رعاية حيوانات برية مصابة وإعادتها إلى بيئتها، ومن بينها ذئبة أطلق عليها اسم «جازية»، إلى جانب توثيق الحياة البرية واستقبال ناشطين وباحثين ومرافقتهم في مناطق ميسان.

«وجهت مناشدات بيئية إلى أعلى مستويات السلطة، بدءاً من رؤساء الوزراء ووزراء البيئة الذين تعاقبوا على المنصب، لكن القسم الأكبر لم يلقَ سوى وعود لم تتحقق»

يقول: «عملت على ملفات بيئية كثيرة، منها المياه والأهوار ومنطقة الجزيرة والحياة البرية وحماية الحيوانات والطيور. وبادرت إلى إطلاق حملات هدفها إرسال رسالة إلى الجميع بشأن ضرورة المحافظة على الثروات الطبيعية الموجودة في البيئة العراقية، وتحديداً في ميسان».

ومن بين مبادراته نشاط «المغامر الصغير»، الذي يستهدف تلاميذ المدارس من خلال اصطحابهم، برفقة أولياء أمورهم، في رحلات إلى المناطق الطبيعية شرقي ميسان، وتعريفهم إلى الحيوانات والنباتات الموجودة في بيئتهم. ونُفذت إحدى فعاليات المبادرة بالتعاون مع جهات محلية وبرعاية مديرية الشباب والرياضة في ميسان، بحسب وكالة الأنباء العراقية.

في المناطق الشرقية مع مبادرة المغامر الصغير

يقول مرتضى الجنوبي إن المبادرة تنقل نشاط الساعدي من التوثيق والاحتجاج إلى التوعية البيئية المباشرة: «لم يكتف أحمد بممارسة أنشطة بيئية، بل توجه إلى إعداد جيل يحمل روح المغامرة ويتعرف إلى البيئة والحيوانات التي تعيش حوله. يأخذ الأطفال في رحلات إلى الطبيعة لينمي حب البيئة في نفوسهم، وهو بذلك يؤدي، بحسب استطاعته، جانباً من دور المؤسسة التعليمية».

ولا يقتصر أثر شح المياه على البيئة الطبيعية، بل يهدد مصادر دخل العائلات المرتبطة بتربية الحيوانات. وفي تموز/يوليو 2026، أعلنت منظمة الأغذية والزراعة «فاو» تقديم أعلاف إلى 3300 من مربي الثروة الحيوانية في البصرة وميسان وذي قار، لمساعدتهم على إبقاء حيواناتهم وحماية مصادر دخلهم في ظل الظروف المناخية القاسية التي تواجه مناطق الأهوار.

وخلال السنوات الماضية، وجه الساعدي مناشدات إلى رؤساء حكومات ووزراء بيئة ومسؤولين محليين بشأن المياه وحماية الأهوار. ويقول إن بعض المطالب لاقى استجابة، بينما انتهى القسم الأكبر إلى وعود لم تُنفذ.

«وجهت مناشدات بيئية إلى أعلى مستويات السلطة، بدءاً من رؤساء الوزراء ووزراء البيئة الذين تعاقبوا على المنصب. تضمنت ملاحظات وطلبات استغاثة تتعلق بالجانبين المائي والبيئي. لاقى قسم منها استجابة، لكن القسم الأكبر لم يلقَ سوى وعود لم تتحقق»، يقول.

لا يملك أحمد الساعدي سلطة إطلاق المياه إلى الأهوار أو تغيير السياسات الحكومية، لكن جماجم الجاموس التي يحملها تمنح الخسارة شكلاً يمكن رؤيته. وبين الحملات الجماعية ورحلات الأطفال وتوثيق الحيوانات، يحاول إبقاء قضية الأهوار حاضرة بعدما تراجعت مياهها.

ويقول: «أنا راضٍ عما قدمته لمدينتي، وراضٍ عن الناس الذين تعاونوا معي في المطالبة بحقوق أبناء المحافظة. آمل من المسؤولين الالتفات إلى كل ما يمس حياة المواطن بصورة مباشرة، وسأستمر في المطالبة إلى حين تحقيق هذه الحقوق».

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali