مدخنو “اكتمار” : نحن هنا لكل ما تحتاجه المدينة(2)

بحلول منتصف شهر أيار/مايو الماضي، حلّ الصيف، اذ ذبلت الحقول حول الموصل واصفر لونها. كانت درجة الحرارة (51) درجة مئوية تقريبا في منتصف النهار، وقد صبغت الشمس الحارقة ما ظهر من جلود رجال الدفاع المدني.

الوحدة أصبحت تتكون من (20) رجلاً قويا، تم تزويدهم بشاحنة حمراء مع محرك إطفاء قديم، تسربت المياه التي تحملها على أرضية المقر الاسفلتية.

بدأ “داعش” يتقلص ببطء في الأراضي التي يسيطر عليها في المدينة القديمة، حاول إعاقة تقدم القوات العراقية باستخدام القناصة، والعبوات الناسفة، والسيارات المفخخة. كما حاصر مقاتلو التنظيم آلاف المدنيين هناك، بمن فيهم أقارب بعض رجال الإطفاء، الذين كانوا على اتصال هاتفي سري معهم لمعرفة المستجدات.

المنطقة التي يجري فيها القتال بين الطرفين تغطيها سحب وأعمدة الدخان الأسود المتصاعد والكثيف.

تهرع سيارات الاسعاف ذات العويل كل بضع دقائق (في الماضي كانت سيارات الاطفاء)، تحمل الضحايا الى المستشفيات خارج المدينة. في بعض الأحيان، تمكن رجال الإطفاء من انتشال الناس من تحت الركام وهم على قيد الحياة، ولكن معظم رجال الانقاذ تعاملوا مع جثث كذلك.

دون شعبان 460 اسماً في مفكرته، توقع أن يتجاوز الرقم 2000 اسم عندما ينهون عمليات الانتشال.

عمل الرجال على تنظيم مقرهم، من خلال البحث عن الأثاث، وتعليق الستائر، وترقيع النوافذ المفقودة بورق التغليف وغيرها. وبدأ الماء يتدفق من صنبور المياه، وتستمر الطاقة الكهربائية لبضع ساعات في معظم الليالي.

تحول عملهم الى الروتين اليومي. يعد شعبان والعقيد حسن جزءا من مجموعة أساسية تتكون من أربعة اشخاص تعمل ستة أيام في الأسبوع. ويتناوب الباقون على الواجبات الليلية. تنتهي واجباتهم عادة بعد الظهر، ثم يأخذون الكراسي البلاستيكية إلى الواجهة الأمامية ويتشاركون علبة السجائر.

ومن المكان الذي يجلسون فيه، كان بإمكانهم رؤية المدينة القديمة والمسجد النوري الكبير ومئذنته المائلة، على الأقل حتى تفجير داعش لها في حزيران/يونيو.

تحدثوا وهم يدخنون السكائر واعينهم متجهة الى منطقة القتال، ويحركون رؤوسهم تحديداً عندما يحدث انفجار كبير، أو يعملون على تسمية نوع السلاح المستخدم سيما عندما يُشاهدونه أو يسمعونه: سيارة مفخخة، صاروخ، طائرة مسيرة، طائرة (اف – 16).

ملأت الفكاهة الشديدة وقت الفراغ الطويل، أحد رجال الاطفاء ذو بنية جسمانية ضعيفة، تحدث عن والده البالغ من العمر (87) عاما وانه كان يبحث عن زوجة ثانية.

قال: “ظل والدي في المنزل أثناء سيطرة داعش على المدينة، لأن النساء كن منقبات لا يظهر منهن أي شيء. لكنه الآن يقف في الشارع لمشاهدة النساء المارات من امامه. لا تقلق، كل شيء ما زال يعمل”، بعدها انفجر الرجال من الضحك.

 لم يحصلوا على رواتبهم بعد. وكان أملهم هو ان يستلموها مرة اخرى عندما تتم السيطرة على المدينة بشكل كامل، وربما حتى الرواتب المدخرة عندما كانوا تحت سيطرة داعش. ولكن حتى الآن لم يسمعوا إلا وعوداً من الحكومة.

العشاء خبر وعلبة جبن، تناولوه معاً في المحطة، لقد كان مساهمة من الجميع بمن فيهم العقيد حسن.

‘‘الحزن أفسد علاقاتهم الزوجية‘‘

رافقتُ الطاقم في مهام أكثر سوداوية. أحدهم كان في حي مهمل في الضواحي الغربية للمدينة، وجاءت الحرب فألحقت به دمارا كبيرا.

لما اقترب الجيش من الحي، حاصر داعش العوائل داخل المنزل، ووضعوا المتفجرات وقناني البنزين امامهم، اسفر الانفجار عن مقتل (13) شخصا.

قال لي رجل واسع العينين ذو لحية بيضاء تغطي وجهه وعنقه، “جاؤوا بنا إلى هنا لنكون ضحايا، ولم يسمحوا لأي شخص بالهرب”.

الحادث وقع في شارع طويل جدا، يومها تمكن الرجل من سحب الجثث المتفحمة لابن أخيه وابنة ابن أخيه، ودفنهم في الحديقة المجاورة. ولم يتمكن من حفر قبر الفتاة بعمق كاف. قال “كانت هنا، لكن الكلاب حفرت فأخرجت الجثة وأكلتها”.

بالقرب من ذلك، والد شاب عليه أثر حروق على وجهه وذراعيه، ينظر الى رجال الاطفاء وهم يعملون. كان في داخل المنزل. وقال “لم ارى شيئا”. كان في الاعلى لمدة قصيرة من الزمن، اخرج بطاقات هوية الأفراد الأسرة الذين قتلوا من حوله: زوجته وابنته وشقيقتان. ثم وصل إلى جيب آخر واسترد الهويات التي تعود إلى ابنة أخرى، والابن الذي توفي هناك أيضا. ثم جلس لمدة من الزمن واستعاد انفاسه وهرب.

بدأت رتابة الحزن المتواصل تبدو على الرجال. وقد أكد أكثر من واحد منهم أن “علاقاتهم بزوجاتهم تأثرت سلبا. الفراش بات باردا”.

قال شعبان إنه يشعر وكأن قلبه مغطى بالحزن، ولم تفارقه رائحة الموت أبداً. تُعشعش في صدره عندما يتنفس، يتذوقها كلما تناول الطعام.

في تلك الليلة، كان جمعة يُفكر في “جثة الطفلة المحترقة التي انتشلها من بين الرماد، اذ امتدت ذراعيها الى الاعلى كما لو انها تحاول معانقته”.

قال لي العقيد حسن بهدوء بعد يوم فظيع آخر “توقعنا ان الامر سيكون سيئا، لكن ليس بهذه الفظاعة”.

رغم ذلك ثمة لحظات مفعمة بالأمل. بعد ظهر أحد الأيام، نادى مُشغل الرافعة من طاقم حمام العليل بأعلى صوته، ليعلن أن بعض أقاربه هربوا من مناطق سيطرة داعش ووصلوا إلى نقطة تفتيش قريبة للجيش.

أمر حسن السائق بأن يأخذ الشاحنة الحمراء وينقلهم. وعادت الشاحنة بعد نصف ساعة من الزمن، ممتلئة بـ (20) شخصا نحيلا من الرجال والنساء والأطفال. لم يتناولوا الطعام لعدة ايام، لذا تشارك رجال الدفاع المدني ما لديهم من طعام في المحطة: بعض التمر، بقايا خبز من ليلة أمس، وحزمتان من المعكرونة.

فيما بعد، كان الرجال يدخنون السجائر، بينما كانت النساء والفتيات تصبغن أظافرهن، وارتدين وشاح الرأس ذو الالوان الزاهية (الوسطى اشارت الى المجموعة وأمرتهن ان يُغطين أنفسهم باللون الأسود)، غرق مُشغل الرافعة بدموع الترحيب والفرح.

حاول أن يُسدد لزملائه بدل الطعام، الا ان العقيد حسن دفعه بعيداً بأسلوب “خشن”، قائلا: لم افعل ذلك من أجل المال.

‘‘قتل القائد‘‘

استمر الرجال في العمل على مدار الأشهر القليلة اللاحقة خلال المراحل النهائية الرهيبة من المعركة، اذ لجأ داعش الى الانفاق في المنطقة المحاصرة بالمدينة القديمة، جنبا إلى جنب مع مدنيين ضعفاء جدا أو ينتابهم الخوف من المغادرة.

الضربات الجوية عاثت في المنطقة، بينما قصفت القوات العراقية بالمدفعية غير الموجهة. لقد اقترب طاقم الدفاع المدني من الخطوط الأمامية للمواجهة. في بعض الأحيان التي يكون فيها امكانية القيام بعملية الانقاذ. وفي احيان اخرى، بناءً على رغبتهم، وهو ما كان كذلك.

لقد طهر الجيش العراقي الجيوب النهائية لمقاومة داعش في بداية تموز الماضي، وهدم الانقاض على رؤوس مقاتلي التنظيم، والقى رئيس الوزراء حيدر العبادي خطاب النصر في 10 تموز/يوليو وسط أكوام ضخمة من الأنقاض والحجارة، وحيا قواته مع استمرار عمليات التطهير النهائية الوحشية بالقرب من المكان.

بعد ذلك بأسبوع، قام فريق حمام العليل عن طريق الخطأ بتفجير عبوة ناسفة مدفونة، بينما كانوا يهمون بالحفر في احدى المباني المتضررة.

قتل قائد الجماعة وجرح جمعة، وعندما رأيته في شهر آب/اغسطس، كان “الرجل القوي” قد عاد بالفعل مرة أخرى الى العمل.

يذهب بساقه العرجاء الى المحطة كل صباح، وعندما يجلس فان كاحله لا تنحني بشكل صحيح. في بداية تشرين الأول/اكتوبر، تكرر الامر، نُقل احد رفاق العقيد حسن إلى المستشفى، اذ تمزقت ساقاه في الانفجار.

 الاثار التي خلفها داعش في مدينة الموصل لن يتم التعافي منها على مدى جيل كامل. وبمقارنة تكلفة تاريخ العراق من العنف الدوري، تعد هذه التكلفة صادمة. قُتل الآلاف، وشُرد مئات الآلاف، وسيستغرق التعافي سنوات طويلة ومليارات الدولارات.

بدأت عمليات بطيئة لإعادة الاعمار، لكن حتى الوقت الحاضر لا يزال رجال الدفاع المدني يكشفون عن الاهوال في المدينة القديمة. قال شعبان “اننا على استعداد للقيام بواجبنا”. وختم حديثه: “جمع الجثث، مكافحة الحرائق، تنظيف الشوارع … وكل ما تحتاجه الموصل، نحن هنا”.

 المصدر:

https://www.gq.com/story/men-who-rescue-mosul-dead

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى