لماذا يقاطع الموصليون الانتخابات ؟

نوزت شمدين

لا تبدو المطالبة بالتغيير دعوة غريبة على من يراقب احداث السنوات الأخيرة في العراق، لكن الغريب في الأمر هو المطالبة في التغيير دون رغبة حقيقية في المشاركة فيه مثلما يحدث اليوم في الموصل.

 ويطالب الأهالي في المدينة التي عانت الكثير في السنوات الخمس الماضية بتغيير وجوه الحكومة المحلية وقادتها، في حين انهم يعزفون عن المشاركة في الانتخابات لاختيار وجوه جديدة.

في الأيام الماضية كان يمكن سماع نداء تحديث بيانات الناخبين عبر مكبرات الصوت في الجوامع بعد اتفاقية تعاون بين الوقف السني ومفوضية الانتخابات في إشارة إلى تغيير جذري في مزاج الجوامع التي كانت منابر لتحريم الانتخابات قبل سنوات وتصف المشارك فيها بـأنه  كافر.

المؤسسة الدينية التي فقدت الكثير من بريقها بعد المحنة الشعبية في حزيران 2014 باحتلال داعش للموصل وما أعقبها لم تقنع الموصليين بأن خلاصهم يكمن في صناديق الاقتراع فتسريبات لم تنفها مفوضية الانتخابات تشير إلى  أن نسبة تحديث البيانات الانتخابية في الموصل بلغات( 28‎%‎) فقط.

ويبدو ان النسبة الأكبر من الراغبين في المشاركة في تغيير الوجوه يتركزون في جنوب وغرب الموصل اذ بلغت نسبة تحديث السجلات هناك (80) في المئة من سكان المنطقة المذكورة، وفي سهل نينوى وصلت إلى(96) في المئة من نسبة السكان وهذا يعني ان نسبة العازفين عن المشاركة في الانتخابات تتركز في مركز المدينة. ومناطق أخرى قريبة منها.

التشكيك بنزاهة الانتخابات يمثل أكبر حاجز ذهني بين المواطنين في الموصل والانتخابات ويمكن أن يلتقط السمع في الشارع أحاديث عن بيع الصوت الانتخابي بسعر(200 دولار) وفرضية أن أحزاباً كبيرة ونافذة ستعبث بالصناديق وتملأها بأوراق تصويت مزورة لصالح مرشحيها وجميع هذه الشائعات تساهم في تقليل رغبة الناس في المشاركة في التغيير.

بشار يونس كريم هو احد المشككين بنزاهة الانتخابات، وهو يؤمن بنحو قاطع أن الانتخابات ستزور نتائجها، سواء أدلى بصوته فيها أو لم يفعل فهو لن يذهب أبداً لتحديث بياناته ولن يسمح بذلك لزوجته أو ابنته الجامعية.

قسم آخر من مواطني الموصل يرجحون أن تتغير بوصلة من يرشحونه بعد الانتخابات نحو مصالحه الشخصية بينما تتراكم المشاكل فوق بعضها في المدينة التي ضاقت بها حياة المواطن ولم يعد بوسعه تحمل المزيد.

ويسوق فتيان سليم مثالاً على ذلك بقوله: “مئات الآلاف رشحت أثيل النجيفي في سنة 2009 لأنه رفع شعار الوقوف بوجه إقليم كردستان ومنع سيطرتها على القرار في الموصل وأراض تابعة لنينوى، وحينما حصل على المنصب تحالف مع الإقليم وبعد ترشيحه للمرة الثانية وقف هذه المرة ضد حكومة بغداد، وفي المرحلتين تدهورت الخدمات وأنعدم الأمن حتى توج كل ذلك بالخراب الذي حل بالموصل بعد سيطرة داعش عليها فهاجر سكانها وقتل منهم الآلاف ودمرت البنية التحتية بالكامل”.

ويؤكد بأن الثقة معدومة بوجود مرشحين قادرين على تلبية طموح المواطنين في الموصل بخلاف أطراف الموصل والأقضية والنواحي التابعة لنينوى التي يرى أن فيها ولاءً لمرشح العشيرة أو القومية او الطائفة وهذا هو السر بحسب رأييه وراء سيطرة ممثلين عن خارج المدينة على المقاعد في مجلس المحافظة أو حتى تمثيل نينوى في مجلس النواب.

مواطنون آخرون من بينهم عمر العنزي يحملون الناخب والمرشح سوياً مسؤولية العزوف السابق والآخر المتوقع للانتخابات المقبلة التي وصفها باللعبة.

ويقول “كلٌ من طرفي المعادلة الانتخابية يشعر في في قرارة نفسه بأنه يستخف بعقل الآخر ويضحك عليه، فالمرشح لا يملك برنامجاً واضحاً وهدفه مجرد الوصول إلى المنصب ليحظى بالوجاهة والمال والسلطة، أما الناخب فلا يرجح حماية مستقبل عائلته أو تحسين الواقع المعاش والمتدهور في كل الأصعدة من خلال دقة الأختيار وفقاً لكل ذلك بل تغلب العاطفة الطائفية او القومية أو القبلية”.

قليلون في الموصل يعتقدون بأهمية المشاركة الفاعلة في الانتخابات ويثقون بقدرتها على تغيير مسارات حياتهم اليومية ومستقبل المدينة نحو الأفضل، وهم خلافاً للمحبطين بسبب الخروج من مرحلة داعش الصعبة وسنوات طويلة قبلها من انعدام الأمن سيشاركون في الانتخابات بل ويروجون لها باستمرار.

عبد السلام مصعب جميل، من الذين يردون على مقاطعي الانتخابات بقولهم: ” ربما تكون هنالك نسبة تزوير ومخالفات ضئيلة وهذا يحدث في كثير من البلدان الأخرى لكن النتائج ليست محسومة ولا يمكن تزويرها بالكامل أبداً وإذا حدث ذلك فسببه عدم مشاركة الناس وترك أصواتهم مهدورة “.

ولفت إلى أن الكثيرين من أهالي الموصل يستغلون يوم عطلة الانتخابات بالسفر إلى مدن إقليم كردستان للاستجمام هناك بدلاً من الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات ثم يعودون بعدها ليشتكون من سوء الخدمات وعدم حصولهم على حقوقهم.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى