القبر الغريب…قصة عاشقة بولونية توفيت ودفنت في الناصرية تصبح رمزا للعشاق والأدباء

المنصة – علاء كولي

على ضجيج السيارات الكثيرة التي تمر بالقرب منها بشكل يومي، ترقد (تالا) البولندية التي قادها قلبها العاشق من بولونيا إلى العراق، لتنتهي قصتها هنا في قبر غريب وموحش في أقصى جنوب الناصرية.
ويبدو القبر الذي يقع قرب نقطة تفتيش عسكرية في منطقة تل اللحم بمسافة 300 مترا تقريبا، مجرد حجرا عاديا، وضٌع بشكل منتظم، بإرتفاع بسيط قد يصل إلى قدم فيما يشغل مساحة القبر بالكامل، المتر ونصف المتر، حيث لا توجد بالقرب منه أي دلالة أو معلم يوحي على وجوده.
تحيط بالقبر من جميع جهاته أرضا ترابية، ومنذ الوهلة الأولى للوصول إليه يمكن مشاهدة آثار الأقدام لأناس ربما مروا عليه، إذ لا تزال جزءا منها ظاهرا للعيان، وربما قد تكون أثار أقدام عناصر الشرطة وهم يمرون أو يلتقطون صورا بالقرب منه، كونه يقع عند الطريق الرئيسي الذي يربط الناصرية بالبصرة.
ويصادف بعد أسبوعين من الآن، الذكرى الأربعون لوفاة (تالا)، لكن قبرها لم يتعرض إلى أي محاولات للتخريب أو النبش، حيث يحترم سكان هذه المدينة، قبور الموتى الغرباء، مهما كانت ديانتهم، وعند المناسبات الدينية، يتم تكريم صاحب القبر برش ماء الورد وإشعال البخور فوق قبره.
وكٌتب على شاهدة حجر القبر، وبطريقة الحفر، علامة الصليب ثم كُتب بجانبيه، الحرف الأول من أسم العاشقة البولونية وحبيبها، وفي الأسفل كٌتب تاريخ الوفاة وهو مطلع 1982، ويمكن للعابرين على الطريق العام للسيارات، مشاهدة القبر الذي وضع بإتجاه غروب الشمس.
يقول الكاتب في تجمع سوق الشيوخ الثقافي، عقيل الحربي، أن “قصة (تالا)، تعود إلى العام 1981، حينما بدأت شركة درومكس البولونية إكساء الطريق السريع ما بين الناصرية والبصرة، حيث كان حبيبها، يعمل في هذه الشركة”.
ويضيف الحربي، “عند قدوم حبيبها الى المدينة الجنوبية ظلت تراسله عبر البريد طوال تواجده في العراق، وعند أعياد الميلاد في نهاية عام 1981، أخبرت حبيبها بأنها ستبعث له هدية خاصة بعيد الميلاد، وفي مطلع عام 1982، كانت الهدية، هي مجيئها من بولونيا إلى العراق والذهاب إلى الناصرية لرؤيته، ولكنها تعرضت إلى حادث بالقرب من مكان عمل حبيبها وتوفيت”.
ويتابع الحربي، “عند وفاتها، قرر حبيبها أن يدفنها بالقرب من مقر عمله، وحينما أنهت الشركة أعمالها بعدة سنوات، رحل وظل القبر هكذا وحيدا، يزوره في الحين والأخر بعض المارة الفضوليين لمعرفة صاحب القبر، وفي بعض الأحيان يزوره المثقفين والشباب من سوق الشيوخ ويضعون بعض الزهور أو ماء الورد بحسب عادة الناس هنا لزيارة القبور”.
وكان العراق قد وقع في العام 1980، عدد من العقود مع شركات عالمية للبناء والإعمار، حيث حصلت شركة درومكس البولونية على عقد العمل وتنفيذ في إكساء طريق ناصرية_رميلة في البصرة، وتم بدء العمل في العام 1980 وأنُجز الطريق عام 1990، حيث غادرت الشركة هي وكوادرها بالكامل.

وخلّد أدباء سوق الشيوخ وشعرائها، حكاية العاشقة البولونية، في قصائد وقصص أدبية، تكريما لموقفها وإعتبروها قصة تستحق الإشادة والتخليد فيما يكتبونه من أدب.
ويقول الشاعر علاء المغشغش، بأنه كتب قصيدة تخلد موقف هذه العاشقة، وما تحمله من قيمة إنسانية كبيرة، والكتابة عليها كان من زاوية عاطفية، فيما كتب القاص عبدالخالق الزهيري قصة قصيرة حملت عنوان “حب في تل اللحم”.
الزهيري يؤكد في حديثه لـ”المنصة”، بأن قصة (تالا)، تستحق أن يتم كتابة نص أدبي بحقها، حيث جسد موقفها بحسب ما رواه لي أحد العمال، الذين كانوا يعملون مع الشركة، قبل أكثر من عشرين عاما، واحد أبرز المواقف الإنسانية والعاطفية.
الشركة التي عملت في هذا الموقع وظفت عمال محليين لديها، وعلى مدى السنوات، لم يتبقِ منهم سوى عامل واحد، أصيب بفقدان الذاكرة والجلطة الدماغية، جعلته طريح الفراش، بحسب ما يؤكده الناشط والمدون مصطفى الفارس لذا كان من الصعب التحدث مع ذلك العامل عن ذكرياته حول الواقعة.
ويضيف الفارس، بأن “مدينة سوق الشيوخ بشكل خاص على دراية تامة بهذه الحكاية التي يعرفها الكثير من أبنائها، وصارت مثال يضرب به”.
وقبل عدة سنوات، صار قبر (تالا) رمزا لعشاق وأدباء يواظبون زيارتها، بين الحين والآخر، سيما في أعياد رأس السنة، أو أعياد الحب من كل عام، حيث يضع بعض الشباب، الشموع والماء ويطلبون الرحمة لصاحبة القبر الذي لا يزال حتى الآن يسمى بـ”القبر الغريب”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى