مائة يوم مرت على الاحتجاجات العراقية: كيف صمدت؟ ولماذا لا يعود المتظاهرون الى منازلهم؟

المنصة – مصطفى حبيب

بعد مائة يوم على انطلاقها صمدت الاحتجاجات العراقية امام تحديات كبيرة، قتل واعتقال واختطاف وحملات تخوين، وحتى صراعات دولية، لكن المتظاهرون الشباب لا يفكرون بالعودة الى منازلهم، لان قوائم موت بانتظارهم، ولانهم يشعرون ان احتجاجهم هو الفرصة الاخيرة لأستعادة وطنهم.
ملامح متعبة ومشاعر متباينة تسيطر على المتظاهرين في ساحة التحرير وسط بغداد وباقي ساحات الاعتصام في باقي المحافظات، ثلاثة اشهر كانت حافلة بالاحداث والتحديات، انتجت تحولا في العملية السياسية القائمة في البلاد منذ العام 2003، وهو ان الشعب اصبح عنصرا فاعلا في العملية، لم يعد اختيار رئيس وزراء من الطبقة السياسية امرا سهلا كما كان الحال في السنوات السابقة.
“رحلة طويلة، متعبة وخطيرة، عشناها في ساحات التظاهرات، قتل منا اكثر من 600 شخص واصيب الالاف، الاختطاف والتهديدات والاغتيالات تلاحقنا، لكننا ما زلنا صامدين ومصممين لاستعادة بلادنا، وما زلنا نردد الشعار الذي بدأنا به، يموت منا شخص او يموت 100 شخص، سنبقى صامدين”، يقول عبد الكريم المرسومي احد المحتجين في بغداد.
عندما انطلقت التظاهرات مطلع تشرين الاول (اكتوبر) الماضي، كان رد السلطة مبالغا في استخدام العنف، إذ سقط عشرات القتلى في صفوف المحتجين والاف المصابين، لكن هذا الأسلوب لم تنجح في انهاء الاحتجاجات، بل عادت بقوة واصرار اكبر، وحتى الاسبوع الماضي ما زال المتظاهرون يشيعون زملاء قتلوا عبر الاغتيالات، والاختطافات والتهديدات، ومواكب التشييع التي لا بد ان تمر عبر ساحات الاحتجاج تزيد من اصرار الشباب المتظاهرين.

الاسبوع الماضي قتل الصحفيان الناشطان في تظاهرات البصرة احمد عبد الصمد وصفاء غالي، وبعد اربعة ايام اختطف عبد القهار العاني وهو احد المحتجين في بغداد اثناء عودته الى منزله بعد مغادرته ساحة التحرير.
التحدي الاخر الذي واجه المحتجون هو الاعلام، إذ ان العشرات من وسائل الاعلام الحزبية شنت حملة لا مثيل لها ضدهم، كما ان عشرات الجيوش الالكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي هاجمتهم واتهمتهم عبر مئات المنشورات بالعمالة والخيانة وتلقي اموال لتدمير البلاد، حتى اصبحت وسائل الاعلام الحزبية والجيوش الالكترونية تطلق على المتظاهرين لقب الجوكر الاميركي”.
ولكن هذه الحملات لم تحقق اهدافها تماما، والسبب هو ان عامة العراقيين يقفون مع المحتجون كما تقول الناشطة رؤى محمد علي، وتضيف “حتى اقوى الجيوش الالكترونية لن تستطيع تشويه سمعتنا والسبب ببسطاة ان اغلب العراقيين يقفون معنا، عندما ينشر متظاهر منشور على فيسبوك او تغريدة على تويتر تلقى تفاعلا كبيرا وبلا اعلان ممول، فيما تبذل الجيوش الالكترونية حملات ممولة بالالاف الدولارات لتشوية سمعتنا، في المقابل لا يحصلون على تفاعل، بالعكس انه اغلب هذه الصفحات يتم غلقها بسبب تعاضد العراقيين للبلاغ عنها عند ادارة فيسبوك وتيوتر لحظرها”.
يدرك المتظاهرون ان العديد من اتباع الاحزاب والقوى السياسية تسللوا الى ساحات الاعتصام من دون ان يكشفوا عن انتمائاتهم، وهي خطة لاختراق التظاهرات والتأثير على مطالبها، وخلال كانون الاول (ديسمبر) رشح متظاهرون عدة اسماء لمنصب رئيس الوزراء، تبين ان احزاب تقف وراء هؤلاء المتظاهرون، لكن المحتجين المستقلين كان صوتهم اعلى واعلنوا رفضهم هذه الاسماء، ونجحوا في منع ترشيحهم.
التحدي الاكبر الذي واجه المتظاهرين خلال (100) يوم مضت هو الصراع الاميركي – الايراني الذي جرى في البلاد، مطلع الشهر الحالي قتلت الولايات المتحدة قائد فيلق القدس الايراني قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة “الحشد الشعبي” ابو مهدي المهندس في بغداد، ردت ايران بقصف قاعدة عسكرية تحوي قوات اميركية في الانبار.
بعد هذه المواجهة شعر المتظاهرون بالخوف، تحت ضغوط بالتراجع لان الوقت لم يعد مناسبا للتظاهر وبان البلاد قد تكون مقبلة على حرب طاحنة.
استحوذ الخوف على العراقيين وبعد المواجهة الاميركية – الايرانية المباشرة، ارتفع سعر الدولار الاميركي امام الدينار العراقي بنسبة 3% للمرة الاولى منذ سنوات، كان الجميع يعتقد ان التظاهرات ستتراجع.
ولكن المحتجون خالفوا التوقعات، رفع المتظاهرون لافتات كبيرة كتب عليها “كلا لامريكا.. كلا لايران”، رافضين ان تكون بلادهم ميدان حرب، وحمّلوا الطبقة السياسية الحاكمة مسؤولية ضعف الدولة التي لم تستطع منع هذه المواجهة.
يبدو المتظاهرون اليوم اكثر اصرارا من اي وقت مضى، كما انهم اكثر خوفا من السلطة، ويعتقدون ان العودة الى منازلهم الان ليست مناسبا ابدا.
المرسومي الذي يشارك في الاحتجاجات منذ انطلاقها ويعود الى منزله متخفيا خشية اصطياده من فرق الاغتيالات، يقول لـ “المنصة” ان “هناك قوائم موت بانتظارنا، نعرف جيدا ان جماعات مسلحة لديها قوائم دقيقة حول من شارك في الاحتجاجات، انهم ينتطرون عودتنا الى منازلنا وانتهاء الاحتجاجات لمهاجمتنا، ولهذا لن نعود الان الى منازلنا، الاحتجاجات هي من تحمينا”.
اما الناشطة رؤى محمد فتقول ان “المتظاهرين لن يعودوا الى منازلهم قبل ان يعود اليهم وطنهم الذي تم سرقته من السياسيين الفاسدين، لن يعود الطلبة حتى تتحسن ظروفهم، لن يعود الاف الشباب العاطل عن العمل قبل ان يضمنوا حلولا لتوظيفهم وتوظيف الالاف الشباب الاخرين الذين سيتخرجون من جامعاتهم كل عام، لن يعود المتظاهرون حتى يحصلون على ثمن يناسب تضحيات القتلى الذين سقطوا في ساحات الاعتصام”.
في مدينة الناصرية التي اصبحت احد ايقونات التظاهرات العراقية بعد تعرضها الى اعمال عنف هي الاكبر في البلاد، اصدر محتجوها الاحد الماضي بيانا حاسما، تضمن مهلة سبعة ايام الى الطبقة السياسية لاختيار رئيس وزراء مستقل لم يتورط في الفساد، وتحديد موعد الانتخابات المبكرة، واذا لم تتحقق فانهم سيعتصمون على الطريق الدولي الرابط بين المحافظات العراقية ما يعني قطع الطريق بشكل كامل.
لاحقا اعلنت ساحات الاعتصام في بغداد والديوانية وبابل وواسط والبصرة تأييدهم لبيان محتجي الناصرية، الاحد المقابل تنتهي المهلة، يبدو المحتجون اكثر اصرارا، فيما تبدو الطبقة السياسية مستمرة في تجاهلهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى