سوق التجهيزات العسكرية انعشته المظاهرات

أيوب حسن

 

خلف جدار اسمنتي وضع لحمايتهم منذ سنوات، يعرض باعة التجهيزات العسكرية بضاعتهم وهم يجلسون على كراسيهم التي وزعوها على أبواب محالهم التجارية، وحال سماعهم صوت انفلاق قنبلة دخانية تسقط على الارض أو رشقة “رصاصٍ حي” يقفون بحماس لاستقبال المتظاهرين الذين يسألون عن الدروع.

“اسرع ناولني خوذة ودرع” صوت لشخص خرج مُسرعاً من أحد الشوارع المتفرعة عن ساحة التحرير قاصداً محال بيع التجهيزات العسكرية حاملاً بيده مبلغ (25) الف دينار ليأخذ فيها واقية للصدر وخوذة من النوع العادي يحمي بها رأسه من القنابل الدخانية قبل ان يعود الى الساحة.

لم يسأل المتظاهر نفسه ان كانت تلك الخوذة ستقيه الرصاص الحي والقنابل الدخانية ام انها مجرد قماش ستخترقة اول رصاصة مصوّبة باتجاهه، فهو لا يملك سوى مبلغ متواضع ويحاول ان يحمي نفسه بشراء درع واق من الرصاص حتى وان كان درعا مزيفا.

“الخوذة والدرع والكمامة وفلتر الانف” هما الايقونات الرئيسية لسوق التجهيزات العسكرية في منطقة الباب الشرقي وسط بغداد والمواد الرئيسية المستخدمة في ساحات التظاهر في العراق.

هذا السوق لم يأبه أصحابه لكل ما يجري حولهم، ولم يتوقفوا عن نشاطهم اليومي باختلاف الظروف، معتبرين المظاهرات مصدر رزق قد لا يتكرر لهم لا سيما مع ارتفاع الطلب على الخوذ والدروع الواقية للرصاص في الشهور الماضية وقرب محالهم من ساحة التحرير إذ لا يفصل بينهم وبينها سوى 200 متر فقط.

يبتسم علي الشاب الثلاثيني وسط هذا الضجيج من الحركة ويردد عبارة “مصائب قوم عند قوم فوائد” ثم يكمل “لم نشهد اقبالاً على الستر الواقية من الرصاص والخوذ وكمامة الفلتر من قبل مثلما حدث في الأشهر الثلاث الماضية.

وقبل ان يستمر في الحديث قاطع كلامه شخص على عُجاله طالباً منه خوذه اصلية كونه ممن يتواجدون في مناطق خط التماس مع القوات الأمنية وممن يتعرضون لإطلاق الذخيرة الحية.

اخرج علي بسرعة خوذه جيدة لا يقتنيها أو يطلبها الا منتسبي القوات الأمنية في الأماكن الحساسة، تلك الخوذة سعرها مائة دولار، إذ عرضها عليه بطريقة تسويقية وجاذبة مردداً له عبارة “خذها انها مبطنة ولن يخترقها الرصاص”.

لكن هل يُعقل ان يكون هذا الشخص متظاهراً ليطلب احتياجات الأمان بهذه الأسعار، لكن صاحب المحل عرف عن طريق الاستفسار من زبونه بأنه صحافي ميداني يوثق لوكالات وصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي ولا يمتلك عُدة لحماية نفسه، وحتى وان امتلك تلك العدة يتم مصادرتها اثناء تنقله في شوارع العاصمة بغداد على خلفية القوانين الوقتية التي تصدرها القيادات الأمنية مع كل تصعيد في موجة الاحتجاجات الجارية حالياً.

مشهد آخر لامرأة اربعينية لبقة اللسان اثناء حديثها مع صاحب المحل قالت له “احتاج الى عشرين خوذة وواقية صدر كم سيكون سعرهم”؟ ثم بدأت بالتفاوض على السعر للحصول على عرض جيد.

“ناهدة” تلك المرأة التي تحمل تبرعاً بمبلغ معين لشراء الدروع الواقية لبعض زملائها من الصحفيين تحدثت بحذر شديد وصوت منخفض في سوق يرتاده الرجال بنسبة 95%، ويتواجد فيه عناصر امنية ومسلحة مختلفة، “انا صحفية وارى زملائي الصحفيين هم الأكثر عرضة للخسائر في ظل موجة الاحتجاجات الجارية في البلاد لهذا ارتدت السوق لأجلهم” قالت قبل ان يخبرها صاحب المحل بتجهيز الكمية التي طلبتها في اليوم التالي.

على وقع ضجيج دخول موجه من المتظاهرين باتجاه الساحة غادرت ناهدة على عجالة وخشية الوقوف لوقت أطول في سوق يزدحم بحركة الرجال ويجاوره ساحة تظاهر متسارعة بأحداثها.

سوق التجهيزات العسكرية يزدهر بمبيعاته وحركة رواده بين حين وآخر ثم يصيبه الكساد عند استقرار الوضع الأمني في البلاد وتباع فيه حتى الملابس المستعملة احياناً بسبب موقعه القريب من مناطق شعبية، بعض تلك الملابس من مخلفات الجيش الأميركي، لكنه اليوم وللشهر الثالث على التوالي لم يشهد توقفاً لحركة البيع ويضم دروعا من مناشيء رديئة وأخرى عالمية.

وبعد ساعات طويلة من استقبال الزبائن يجلس أصحاب المحال لتدخين الأركيلة وتجاذب اطراف الحديث حول ما سمعوه من اخبار واحداث وقعت في ساحة التحرير رواها لهم متظاهرون من زبائنهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى