كورونا لم توقف طقوس الجنوب في أعياد النوروز

المنصة – علاء كولي

سارعت أم محمد، إلى تعليق أوراق الخس وبعض الأعشاب الخضراء على شبابيك وباب المنزل في مساء ليل 20 أذار، كي يدخل يوم 21 على اللون الأخضر الذي يجلب الرزق والخير لعائلتها، فيما تعود لتجلس على أريكتها في غرفتها الصغيرة لكي تكمل ما تبقى من أعداد الطعام ليوم النوروز.
وتحرص أم محمد، (68 عاما) وهي ربة منزل على الإستعداد ليوم 21 أذار، لإعداد بعض ما يتعلق به من أعمال، الذي يكون بالعادة، تجمع لأفراد العائلة، مع عمل صينية (الدخول) كما تسمى محليا والتي تتزين بورق الياس وبيض مسلوق و(اللهوم) وهو مادة متكونة من السكر والسمسم وأيضا أوراق من الخس والشكولاته وتتوسطهن شمعتان أو ثلاثة تبقى مشتعلة طوال الليل.
وعلى الرغم من كبر سنها، لكن أم محمد تشعر بلذة خاصة في إستعدادها لهذا اليوم، الذي تعده من الأيام المباركة وطارداً للشر وفاتح الخير لعائلتها، حيث تقوم بقراءة بعض الأذكار والأدعية التي يستحب قرائتها في هذا اليوم. كما تقول، وكذلك زيارتها لبعض الأضرحة.
تقول أم محمد لـ”المنصة”، بأنها منذ صغرها قبل خمسين عاما، كانت تحتفل بهذا اليوم إذ يتم إعداد السمك واللحم، ثم يعلق رأس السمكة على أحد شبابيك المنزل بالمساء وتبقى للعام المقبل، فهي مجربة كما تؤكد في البركة والخير الوفير، وكانت الحياة بسيطة آنذاك، حيث نقوم بهذه الأعمال ونضعها وسط الحوش وننتظر عيد الدخول أو نوروز كبقية الأعياد الأخرى.
تٌكمل أم محمد وجبة من (اللهوم)، ثم تقوم بمسح يديها من السمسم العالق ما بين أصابعها لتأخذ إستراحة قصيرة، تؤكد، اليوم أكملنا وجبة لابأس بها، ثم تنادي على إبنتها الصغرى كي تجلب لها مزيد من الماء، لغرض إستعماله في الوجبة الاخرى وفي أعداد بعض الكعك.
وبينما تعيد نفسها على إكمال ما تبقى من أعمال يوم 21 أذار، تتحسر أم محمد بصوت عال، على ما يحدث هذه الأيام، اذ تقول بأنها من كل عام، تعد بعض الأشياء المتعلقة بعيد النوروز ومن ثم تذهب هي وبناتها وأطفالهن إلى أماكن خضراء أو بساتين خارج المدينة لقضاء يوم هناك في الهواء الطلق.

لكن يبدو أن النوروز هذا العام ليس مكتملا بسبب فايروس كورونا، الذي دفع السلطات في مدينتها لإعلان حظر التجوال وتجنب التجمعات البشرية والزيارات والخروج الى الأماكن، وبالتالي سيكون هذا العام مقتصراً على تعليق الاوراق الخضراء.
وتشارك سميرة نجم (43 عاما)، وهي مهندسة في شركة نفطية ، هموم أم محمد في الجلوس بالبيت والإكتفاء بتعليق بعض الاوراق، وإعداد صينية خاصة بهذا اليوم، إذ كانت كل عام تحزم أمتعتها مع أبنائها الثلاثة وتقضي يوما كاملا خارج المدينة، لكن هذا العام سيبدو شاحبا بسبب المخاوف من فايروس كورونا، كما تقول لـ”المنصة”.

عادات وتقاليد الناس اليوم بأعيان النوروز ليست وليدة اليوم، كما يقول الاثاري، مدير متحف الناصرية عامر عبدالرزاق لـ”المنصة”، إذ ان أعياد النوروز كانت تسمى في العراق القديم بعيد (الأكيتو)، وهي بداية السنة السومرية والبابلية والأكدية والأشورية، والتي تبدأ مع بداية شهر نيسان، إذ أن رأس السنة يكون عندهم هو تعادل ساعات الليل مع النهار، لأن الأول من نيسان لديهم كان بمثابة يوم21 أذار اليوم.
ويتابع عبدالرزاق، أن “الإحتفالات كانت تستمر لأحد عشر يوما، تتضمن غناء وإشعال بخور وقصائد ورقص، تٌقام فيها المآدب وتوزيع اللحوم للفقراء، ويوزعون بما يسمى بالحلوى الصفراء، يعلقون الورد والزينة والياس، إبتهاجا بدخول الربيع، حيث تكون تلك الاحتفالات ببيت يسمى (الأكيتو) وهو بيت كبير بدون سقف تقام به تلك المناسبة ويكون خارج المدينة”.
وبعد قضاء يوم طويل من العمل الشاق في المنزل، استعدادا للربيع، بدأ من تجهيز للطعام وتنظيم صينية الدخول، تمدد أم محمد ساقيها على سريرها كي ترتاح قليلا، داعية بأن يمر هذا العام عليها بالخير والرزق والأمان، رافعة يديها نحو السماء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى