سعد ناظم – البصرة
في أقصى جنوب العراق، يخرج الصيادون من الفاو إلى البحر حاملين شباكهم وأملهم، بحثاً عن رزق صار أثقل من ذي قبل. بين خور عبد الله، والمياه المتنازع عليها، وتوترات مضيق هرمز، تتكرر معاناتهم مع خفر السواحل الكويتي، من مضايقات ومصادرة واعتداءات يقولون إنها تهدد حياتهم ومعداتهم.
وفي الأفق الأبعد، تنعكس أزمات المنطقة على واقعهم اليومي، من ارتفاع تكاليف الوقود ومستلزمات الصيد، إلى تقلص فرص الإبحار في بحر صار أكثر قسوة وتعقيداً. هكذا يعيش الصياد العراقي بين مطرقة الخوف من البحر وسندان الصراع السياسي والأمني الذي لا يد له فيه، فيما يبقى البحر، رغم قسوته، مصدر رزقه الوحيد، والمهنة التي لا يملك بديلاً عنها مهما اشتدت المخاطر.
حيث تنتهي اليابسة عند الفاو وتبدأ مياه الخليج بالاتساع حتى تذوب في الأفق، يعيش أحمد الجنوبي، الرجل البالغ من العمر 53 عاماً، والأب لخمسة أبناء. لم يعرف أحمد منذ عقود حياة خارج البحر. هناك، بين الموج والملح والريح، تشكلت ملامح حياته، وهناك أيضاً تتآكل كل يوم تفاصيل الطمأنينة التي كان يحلم أن يورثها لأبنائه.
في ليلة تسبق رحلة بحرية جديدة، كان أحمد يجلس أمام باب منزله المتواضع في الفاو. الشباك البحرية ممددة أمامه كأنها خريطة طويلة من التعب، وإلى جانبها صناديق صغيرة تحتوي على ما يكفي من الطعام والماء والوقود لأيام قد تمتد من أسبوع إلى عشرة أيام. زوجته تتحرك بصمت داخل البيت، تراقب ما يجري من دون أن تقول الكثير. فهي تعرف أن الكلام في هذه اللحظات لا يغير شيئاً، وأن البحر، حين ينادي، لا يترك مجالاً للاعتذار.
يقترب أطفاله الخمسة بين حين وآخر، يلمسون الشباك ثم يعودون إلى الداخل. لا أحد منهم يسأل السؤال المعتاد: “هل ستعود سريعاً؟”، لأن الإجابة أصبحت معروفة، أو لأن السؤال نفسه صار مؤلماً أكثر من الإجابة.
يعيش أحمد، وهو “نوخذة” يمارس الصيد منذ سنوات طويلة، قلقاً دائماً بسبب ما يصفه بالتهديدات المستمرة من خفر السواحل الكويتية، رغم أنه، كما يقول، يزاول المهنة مع رفاقه داخل موقعه الجغرافي العراقي. حين تمتد الشباك في البحر، ويرى أحمد الدوريات الكويتية من بعيد، يترك ما خزنه البحر له من رزق، ويهرب مع رفاقه إلى مكان أكثر أماناً، تفادياً للرصاص أو القتل.
تلف الرطوبة الثقيلة مساء الفاو، ويختلط صوت بعيد لمحركات بحرية مع هدوء الليل. ينظر أحمد إلى البحر كأنه يحاول قراءة ما يخبئه له في الأيام المقبلة. لم يعد البحر بالنسبة له مساحة رزق فقط، بل مساحة قلق ممتدة، تتداخل فيها السياسة مع المهنة، والمخاطر مع الحاجة.
قبل أن يغادر، يلتفت إلى عائلته كعادته. لا خطابات طويلة ولا كلمات كثيرة، فقط وصايا قصيرة، ثم صمت طويل كأنه يحاول أن يختصر خوف سنوات في لحظة واحدة. وفي كل مرة، قبل أن يخطو خارج البيت، يقرأ “الفاتحة” بصوت خافت، كأنه يضع نفسه بين يدي قدر لا يمكن التنبؤ به.
في صباح اليوم التالي، يتجه أحمد إلى القارب مع رفاقه. يحمل كل واحد منهم ملامح مشابهة: تعب قديم، وقلق جديد، وأمل لا يزال يقاوم الانطفاء. لحظة الانطلاق ليست عادية. هي أقرب إلى وداع مؤجل، حيث لا أحد يعرف إن كانت العودة ستكون بعد أيام قليلة، أم بعد رحلة تمتد لعشرة أيام أو أكثر، كما اعتادوا في مواسم الصيد الطويلة.

يمتد البحر أمامهم بلا نهاية واضحة، لكن في عمقه تكمن تفاصيل معقدة. في أقصى الامتداد الجنوبي، حيث تنفتح مياه الخليج ككتاب بلا حدود، يقع مضيق هرمز، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. ويبعد المضيق عن نهاية المياه البحرية الإقليمية العراقية عند منطقة الفاو ورأس البيشة، في أقصى شمال الخليج العربي، مسافة تقدر بنحو 480 إلى 500 ميل بحري، أي ما يعادل تقريباً 880 إلى 920 كيلومتراً.
هناك، في ذلك الامتداد البعيد، يصبح البحر واحداً، وتتصل تفاصيله ببعضها: من شباك تُرمى قرب الفاو، إلى سفن تعبر مضيق هرمز، إلى أسعار وقود ترتفع في الموانئ الصغيرة، وصولاً إلى صياد بسيط يحاول أن يفهم لماذا أصبح رزقه أصعب مما كان عليه قبل سنوات.

لا يتحدث أحمد كثيراً في السياسة، خاصة في ما يتعلق بالتهديدات الكويتية للصيادين، فهو يخشى الوشاية أو أي تبعات قد تطاله. لكنه يشعر بالسياسة في كل رحلة: في الوقود الذي ارتفع سعره، وفي الشباك التي أصبحت مكلفة، وفي الوقت الذي صار أقصر مما يحتاجه الصياد ليعود برزق يكفي عائلته.
في بعض الرحلات، يتحول البحر إلى مساحة مختلفة تماماً، ليس بسبب الموج أو الطقس، بل بسبب ما يحدث من احتكاكات ومضايقات في بعض المناطق البحرية التي يعمل فيها الصيادون العراقيون. يقول أحمد الجنوبي إنهم تعرضوا في أكثر من مرة إلى إتلاف معدات، ومصادرة أدوات صيد، وأحياناً تهديدات مباشرة بالقتل، ما جعل كل رحلة تحمل في داخلها احتمالين متناقضين: رزق أو خسارة، أمان أو قلق.

ورغم ذلك، لا يملك خياراً آخر. فالبحر بالنسبة له ليس مجرد مكان للعمل، بل المهنة الوحيدة التي يعرفها، والإرث الذي ورثه عن أجيال سبقته، والهوية التي لا يستطيع التخلي عنها مهما اشتدت الظروف.
يضيف الجنوبي أن ساعات طويلة تمتد في عرض البحر تحت الشمس الحارقة والرطوبة العالية والجهد المتواصل. يقف الصيادون فوق اللنجات، أي قوارب الإبحار، كأنهم في معركة صامتة مع الزمن. أحياناً تعود الشباك ممتلئة بالأسماك، وأحياناً أخرى تعود فارغة، كأن البحر قرر أن يحتفظ بأسراره لنفسه.

في هذا المشهد، يقول الكابتن البحري والخبير القضائي صلاح السعدون إن البحر في الخليج العربي لم يعد مجرد مساحة طبيعية للصيد، بل أصبح جزءاً من معادلة أكبر تتداخل فيها الأزمات الاقتصادية والأمنية والسياسية. فكل توتر في مضيق هرمز، بحسب السعدون، ينعكس مباشرة على حياة الصيادين في الجنوب العراقي، من أسعار الوقود، إلى حركة الملاحة، إلى كلفة الإبحار.
ويضيف السعدون أن الصياد العراقي هو الحلقة الأضعف في هذه المنظومة، لأنه يعيش من يومه، ولا يملك أدوات حماية أمام تقلبات الاقتصاد والسياسة.
ومن بين القصص الأخرى التي تشبه حكاية أحمد، تبرز قصة سيف العلي، الصياد الذي عاش البحر منذ طفولته. يتحدث سيف عن زمن كانت فيه رحلات الصيد تعود بأرباح كبيرة قد تصل إلى 20 مليون دينار عراقي في السفرة الواحدة، حين كانت الأسماك بأنواعها المختلفة، مثل الزبيدي والهامور والروبيان والقبقب وغيرها، وفيرة في المياه.
يقول سيف العلي، البالغ من العمر 30 عاماً، إن ذلك الزمن تغير. ارتفعت تكاليف الوقود، وتراجعت كميات الصيد، وأصبحت بعض الرحلات لا تحقق سوى جزء بسيط من تلك الأرباح، حتى وصلت أحياناً إلى 100 ألف دينار فقط، وهو مبلغ لا يكفي لتغطية مصاريف الرحلة.

ومع تراكم الخسائر، والتهديدات الكويتية، وتداعيات التوتر في مضيق هرمز، اتخذ سيف قراراً صعباً: ترك البحر. لم يكن القرار مجرد تغيير مهنة، بل مغادرة لجزء كامل من حياته وذاكرته، وللقارب الذي عاش فوقه سنوات طويلة.
كان سيف يبني طموحه من صيده المستمر، لكن آماله خابت مع الاعتداءات والمخاطر وتداعيات الأزمات الإقليمية. يقول إن البحر ما يزال يملك خيرات كثيرة، وإن الصيادين كانوا يرزقون أحياناً من أسماك نادرة تستخدم لأغراض طبية، يصل سعر الكيلوغرام الواحد منها إلى نحو 1200 دولار، إضافة إلى أنواع اعتادوا صيدها مثل الزبيدي، والهامور، والكنعد، والشعري، والصافي، والسبيطي، والبدح، والقابط، والينم، والنيسر، والقباب، والكوفر، والحاقول، والميد، والسردين، والبياح، والقرش، والشفنين، والحبار، والروبيان، والسلطعون الأزرق.
أنهى سيف طموحه وخططه المستقبلية التي كانت تقوم على الاعتماد على البحر، وعلى البقاء قريباً من أمه ودعائها له بالخير. استقر في مهنة داخل إحدى الشركات، لكنه ما يزال يتحسر على البحر الذي تركه.
في خضم هذه المعاناة، وصلت أصوات الصيادين إلى البرلمان. فقد تحدث النائب علاء الحيدري عما يتعرض له الصيادون العراقيون من اعتداءات متكررة، مشيراً إلى حوادث إطلاق نار وإصابات في صفوفهم قرب الكاسر المائي، ومطالباً الحكومة باتخاذ إجراءات حازمة لحمايتهم، واستدعاء الجهات المعنية، والتحرك دبلوماسياً وقانونياً لضمان عدم تكرار هذه الحوادث.
ومع تزايد الحديث عن الاعتداءات على الصيادين العراقيين في الآونة الأخيرة، أعلن عضو مجلس النواب العراقي، المهندس حسين الدراجي، أن “دورية كويتية تخترق سيادة العراق في مياهه الإقليمية وتفتح النار على الصيادين العراقيين”.

وأضاف الدراجي أن الحصيلة النهائية، بحسب متابعته، كانت “احتجاز خمسة صيادين عراقيين واقتيادهم إلى الكويت”، منتقداً ما وصفه بالموقف الرسمي للحكومة العراقية، قائلاً إنه “صمٌ بكمٌ”، ولا تحرك واضحاً حتى الآن.
وتابع الدراجي أنه، بعد متابعته للموضوع وإجراء اتصالات لتحري الأمر، تبين أن أحد الصيادين “ارتقى شهيداً” بنيران الدورية الكويتية، وأن صياداً آخر أصيب بجروح، فيما لا يزال الجميع محتجزين لدى الجانب الكويتي. ووجه خطابه إلى الجهات المعنية في الدولة، وبالخصوص رئيس الوزراء، ووزير الخارجية، والفريق الركن مازن كبيان، قائد القوة البحرية العراقية، محملاً إياهم المسؤولية الكاملة والمباشرة.

واستنكر عضو مجلس النواب الحادث بلهجة حادة، قائلاً: “إذا ما تگدرولها وخروا عنها واتركوها لمن هو أكفأ وأقدر منكم، فهنالك رجال تعرف كيف تصنع المهابة”.
من جهته، يتابع مكتب المفوضية العليا لحقوق الإنسان في البصرة مجريات الأحداث. يقول مدير المفوضية في البصرة، مهدي التميمي، إنهم يتابعون زيارة وفد جمهورية العراق إلى دولة الكويت، برئاسة وزير الخارجية العراقي وعضوية محافظ البصرة، مطالبين الوفد بالنظر في ملف احتجاز الصيادين العراقيين الخمسة من أبناء البصرة، وإنهاء اعتقالهم وتعويضهم، بعدما اعتُقلوا، بحسب التميمي، في المياه الإقليمية العراقية، إلى جانب العمل على وقف هذه الأعمال مستقبلاً لإرساء مبادئ حسن الجوار.
لكن رغم كل ذلك، يبقى أحمد الجنوبي بعيداً عن لغة السياسة. ما يعنيه أكثر هو أن يعود من كل رحلة إلى بيته كما خرج منه، أن يجلس أمام أطفاله الخمسة، وأن يضع شباكه جانباً ويبدأ إصلاحها استعداداً لرحلة جديدة.
وفي رحلة أخرى، ينهض مجدداً، يطوي شباكه، ينظر إلى الأفق، ويخرج بخطوات يعرفها جيداً. رحلة تمتد أسبوعاً أو عشرة أيام، لا يضمن فيها شيئاً، لكنه لا يملك غيرها.
وفي كل مرة يبتعد فيها القارب عن الساحل، يبقى أحمد يردد داخله الحقيقة نفسها التي لم تتغير: “البحر لا يعطي وعداً، لكنه لا يترك من اعتاده”.
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



