تكليف الكاظمي لتشكيل الحكومة، هل يواجه النفوذ الايراني محنة نادرة؟

المنصة – مصطفى حبيب

في واحدة من المحن النادرة للنفوذ الايراني في العراق، تنحصر المنافسة على منصب رئيس الوزراء بين مرشحين اثنين، كلاهما مكروهان من ايران، لا تسعى ايران هذه المرة لاختيار مرشح موالي لها، بل لاختيار من منهما يحقق الضرر الاقل على نفوذها في العراق.
تنافس في الأيام الماضية مرشحان لرئاسة الحكومة في العراق وهو المنصب التنفيذي الاقوى في البلاد، وهما كل من مصطفى الكاظمي رئيس جهاز المخابرات، وعدنان الزرفي رئيس كتلة “النصر” التابعة لرئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، وكل من الكاظمي والزرفي مقبولان من واشنطن، ومكروهان من قبل ايران.
وللمرة الاولى بعد عام 2003 لم تعد ايران تبحث عن رئيس وزراء موالي لها يخرج من عباءة الاحزاب الشيعية التقليدية مثل “الدعوة” و”المجلس الاعلى الاسلامي” وتيار “الحكمة” والتيار الصدري، بل ان معاناة نفوذها وضعها امام اختيار احد الرجلين الذين وجهت لكلاهما تهم العمالة الى الولايات المتحدة، والسعي لانقلاب عسكري بقيادة واشنطن.
النفوذ الايراني في العراق واجه مؤخرا مصاعب كبيرة، ولأسباب كثيرة، في مقابل تنامي الروح الوطنية لدى العراقيين اكثر من اي وقت مضى منذ 2003، اذ اسهمت العملية السياسية التي تدار من الاحزاب الشيعية تحت سيطرة ايران في دفع البلاد نحو مسارات خطيرة، سياسية واقتصادية واجتماعية.
ويقول سياسي شيعي رفيع المستوى لـ “المنصة” “ببساطة، اخفقت ايران في تجربتها في العراق، استخدمت خيار العنف والقوة كأستراتيجية لنفوذها، لكن هذه الاستراتيجية بدأت تعطي نتائج عكسية عليها، ولو انها استخدمت خيار السلام والبناء ونقل التجارب العمرانية لديها الى العراق لكان الوضع مختلفا الان”.
لعل اول واهم العوامل التي تساهم منذ اشهر نحو تحجيم النفوذ الايراني وفقدان بريقه، هو تنامي الوعي الشعبي، إذ لعبت التظاهرات التي انطلقت في تشرين الاول (اكتوبر) الماضي دورا حاسما في ذلك، هذه التظاهرات لم تعد احتجاجا ضد النظام السياسي القائم في البلاد فحسب، بل ايضا ضد النفوذ الايراني، إذ تم احراق القنصليات الايرانية جنوب البلاد، ورفع شباب التظاهرات على مدى خمسة اشهر مئات الشعارات المعادية لأيران.
في الأشهر الخمس الماضية حاولت الطبقة السياسية وخصوصا الاحزاب الشيعية القريبة من ايران اختيار رئيس وزراء جديد بعد استقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي تحت ضغط التظاهرات، وقدمت هذه الاحزاب ثلاثة مرشحين وهم كل من اسعد العيداني ومحمد السوداني وقصي السهيل، تم رفضهم جميعا من قبل المتظاهرين الذين اصبح صوتهم مسموع في العملية السياسية.
ولكن الاستماع لما يريده المتظاهرون لم يكن ليحصل لولا رئيس الجمهورية برهم صالح، فالمتظاهرون بلا تمثيل سياسي في الحكومة والبرلمان، وكانوا بحاجة الى قوة سياسية لتنفيذ مطالبهم، رئيس الجمهورية وفق الدستور هو الذي يجب ان يكلف رسميا رئيس الوزراء.
ورغم ان الاحزاب القريبة من ايران قدمت الى رئيس الجمهورية المرشحين الثلاثة مع دعم نيابي كافي لتمرير احدهم في البرلمان، لكن صالح جازف بكل شئ ورفض تكليفهم جميعا، وقال لهم بصراحة ان المهم الان ليس التصويت على رئيس وزراء يحصل على ثقة البرلمان، بل يجب ان يكون مقبولا من قبل الشارع والمتظاهرين.
خطوة صالح برفض المرشحين فاجئت الاحزاب الشيعية القريبة من ايران، بينما كان ينظر الجميع على ان منصب رئيس الجمهورية في العراق بروتوكولي بلا صلاحيات، اتخذ صالح خطوة سياسية جريئة رغم عدم حصوله على تاييد باقي الاحزاب، وتعرض لاحقا لحملة سياسية ضده من القوى القريبة من ايران، تهديدات واستخدام “الطائرات المسيّرة” فوق قصر الرئاسة، وكذلك رفع دعوى قضائية ضده لدى المحكمة الاتحادية لمحاكمته.
العامل الاخير الذي اثر بشكل عميق على النفوذ الايراني هو غياب قائد فيلق القدس الايراني قاسم سليماني الذي قتل في بغداد من قبل الولايات المتحدة في كانون الثاني (يناير) الماضي مع ابو مهدي المهندس نائب رئيس قوات “الحشد الشعبي” العراقية، سليماني هو الذي كان يشرف على الملف العراقي منذ سنوات، وخبرته وعلاقاته والكاريزما التي يتمتع بها كانت عاملا اساسيا في حسم الازمات العراقية لصالح بلاده.
الاسبوع الماضي، وصل الى بغداد القائد الجديد للحرس الثوري الايراني اسماعيل قاني والتقى كبار المسؤولين العراقيين، لكن زيارته مختلفة عما كانت عليه زيارات سليماني، فالرجل الجديد زار بلد غريب بالنسبة له، ولا يمتلك العلاقات التي كان يمتلكها سليماني مع السياسيين العراقيين.
يقول مسؤول عراقي رفيع المستوى لـ “المنصة” “تم ابلاغ الزائر الايراني الجديد رسالة عراقية جديدة مفادها، ان زياراتكم الى البلاد يجب ان تكون رسمية وعبر وزارة الخارجية، لا بشكل سري وعبر جنرالات عسكريين، نسعى لأفضل العلاقات معكم بشرط ان تكون متوازنة وضمن الاحترام المتبادل”.
تمخضت النقاشات السياسية حول رئيس الوزراء لاختيار مصطفى الكاظمي لمهمة تشكيل الحكومة الجديدة، بعد انسحاب عدنان الزرفي من المهمة، والكاظمي الذي يدير جهاز المخابرات تم اتهامه من قبل الفصائل والاحزاب الشيعية القريبة من ايران بانه متورط في قتل سليماني والمهندس عبر توفير معلومات الى واشنطن حول تحركاتهما، لكن هذه الاحزاب وافقت اليوم على رئاسة الحكومة العراقية.
التظاهرات وتنامي شجاعة السياسيين العراقيين لاتخاذ قرار وطنية، الى جانب سياسة الضغط القصوى التي تمارسها واشنطن على طهران عبر قتل سليماني وتهديد قادة الفصائل الشيعية العراقية بنفس المصير، ساهمت في اضعاف النفوذ الايراني في العراق عما كان عليه قبل اشهر قليلة، ومستقبل النفوذ الايراني سيكون مرتبط بهذه العوامل الثلاثة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى