مسيحيو سنجار مهاجرون على طريق نهاية وجودهم

شانا رشو

يقلب ألبوم صوره التي تحمل ذكريات محطات عمره التي قضى جلها في مدينة سنجار شمال غربي نينوى، قبل ان يغزوها تنظيم داعش ويُهجر سكانها من ايزيديين ومسلمين ومسيحيين. يشير باصبعه الى احدى الصور حيث يظهر منزل عائلته الذي يتوسط منزلين احداهما لجاره المسلم والآخر لجاره الايزيدي، قبل ان يردد: “انتهى كل شيء، لقد فرقونا الى الأبد”.

عيسى شمعون (55 عاما) ضابط شرطة متقاعد، قضى عمره في سنجار التي ضمت طوال قرون المسلمين والمسيحيين والايزيديين وحتى عائلات عربية وتركمانية وشيعية وسنية، قبل ان يغزها تنظيم داعش في آب 2014، يعيش اليوم في دهوك مع من تبقى من عائلته، يقول “كنا نعيش بسلام بعيدا عن الطائفية قبل ان يحل ذلك اليوم الأسود ونتفرق”.

بعد ستة اعوام من سيطرة تنظيم داعش عليها، وارتكاب جرائم ابادة جماعية فيها، وتهجير سكانها، وبعد أكثر من ثلاث سنوات على استعادتها، مازالت سنجار التي كانت تضم عدة مكونات متعايشة بسلام، مدينة مدمرة يحيطها الخراب ويغيب عنها نحو 80% من سكانها وكأنها لم تخرج بعد من الحرب.

شمعون، وهو ممثل المسيحين في مجلس قضاء سنجار، يشير الى ان جرائم تنظيم داعش لم تطل الايزيديين فقط بل طالت ايضا المسلمين خاصة الشيعة منهم، فضلا عن بعض المسيحيين ممن لم يتمكنوا من الهروب قبل وصول تنظيم داعش اليهم. ويتابع “ان مصير أربعة مسيحيين من سكان سنجار ممن خطفوا اثناء الغزو مازال مجهولا الى الآن”، وهو ما يعني تصفيتهم.

يقول ميسر أداني، وهو ناشط في مجال توثيق جرائم داعش، ان معظم المسيحيين تمكنوا خلال هجوم داعش من الفرار او اللجوء الى جبل سنجار ولم يقعوا بيد مقاتلي التنظيم الذين كانوا يقومون بسلب مقتنيات العائلات بمختلف انتماءاتها.

ويضيف ان عدد من المسيحيين في سنجار طالهم الخطف على يدي مقاتلي التنظيم، وان مكتب شؤون المختطفين وثق (11) حالة خطف تعرض لها مسيحيون لأفراد أكثر من عائلة.

وكان سنجار يضم عشرات العائلات المسيحية، وتوجد فيها ثلاث كنائس تاريخية، لكن المدينة شهدت في العقود الثلاث الأخيرة تراجعا في اعداد المسيحيين، لأسباب تتعلق بالوضع الاقتصادي والأمني الهش فيها كونها من المناطق المتنازع عليها بين حكومتي اربيل وبغداد، قبل ان تخلو كليا من المسيحيين عقب هجوم تنظيم داعش عليها.

يقول الناشط والباحث محمد علي، الذي يتابع اوضاع سنجار منذ سنوات، ان المنطقة تضم العديد من مساجد المسلمين الى جانب المزارات الدينية الايزيدية وعدد من مزارات الشيعة المسلمين، واهمها مقام السيدة زينب وهو بناء كبير شيد على تلة تطل على المدينة وشهد عدة عمليات اعمار وتوسعة قبل ان يقوم تنظيم داعش بتدميره بشكل كامل.

في العامين الأخيرين عاد الى مدينة سنجار وقراها بعض االعائلات المسلمة والايزيدية الى المجمعات السكنية في شمال المدينة الى جانب بقاء مئات الأسر الايزيدية متحصنة في مناطق بجبل سنجار.

نزوح المسيحيين
يقول المسيحي السنجاري غابرييل شمعون، الذي يعيش حاليا في قرية سيجي في دهوك: “لقد أثر علينا الإحتلال الداعشي كثيراً فنزح المسيحيون إلى إقليم كردستان ومنهم من هاجر إلى دول أخرى”.

ويتابع: “نحن المسيحيون لجأنا كباقي أهالي مدينة سنجار بعد الهروب من داعش إلى كردستان، وهاجر عدد كبير منا إلى دول أوروبا كألمانيا وطلبوا اللجوء”، مضيفا: “لقد فقدنا بيوتنا واعمالنا وحياتنا، واصبحنا مشردين بعد احتلال سنجار والخراب الذي طالها”.

لكن شمعون يرفض فكرة النزوح الدائم والهجرة، قائلا “انا نفسي لا أنوي الذهاب إلى خارج البلاد و لا أستطيع الحياة بعيدا عن سنجار، لذا اقوم بزيارتها مرتين في الشهر على الأقل، اذهب لرؤية معارفي ممن رجعوا”.

ويضيف: “أشعر بالارتياح باستنشاق هواء سنجار العذب حيث ولدت وكبرت، ورؤية جبل سنجار انه مصدر راحتي وسعادتي.. لكن الألم يعتصرني حين أمر قرب كنائسها ومزاراتها الدينية المدمرة هناك نحتفظ بذكريات لا تنسى لحياة لن تتكرر مع اخوتنا المسلمين والايزيديين”.

تهديم الكنائس
مع سيطرة تنظيم داعش على منطقة سنجار التي كانت تضم خليطا من مختلف الطوائف العراقية في منطقة جغرافية مفتوحة كانت طريقا للقوافل التجارية طوال قرون، قام التنظيم ربما في محاولة لقتل وانهاء التعايش بشكل نهائي، بتفخيخ وزراعة الألغام والمتفجرات في الأماكن المقدسة لدى المسيحيين والايزيديين والشيعة.

وتعرضت عشرات المواقع الدينية من مراقد ومزارات وحسينيات وكنائس وأماكن اثرية وحتى بعض أماكن التسوق الى التدمير الممنهج. ومن بين الأماكن التاريخية المقدسة التي تعرضت للتفجير والتدمير كنسية السيدة مريم العذراء التي تعد من أقدم الكنائس في المدينة والتي ترجع لطائفة السريان الأرثوذكس ويعود تاريخ بنائها الى عام 1915.

يرى غابرييل شمعون، ان داعش أحدث شرخا بين المكونات، ويقول: “لدينا شعائر في ديانتنا المسيحية تحث على مسامحة كل من يظلمنا، إلا أن هذه المرة المسامحة صعبة جداً لأنها وصلت إلى هتك الأعراض و المقدسات”.

ويضيف ان “قبور رجال الدين التي كانت تنتشر على جنبات الكنائس دمرت ولن تعوض مرة أخرى”.

ويتابع، منتقدا عدم متابعة الأمم المتحدة والرأي العام لأوضاعهم وعدم التحرك لمساعدتهم “على مدار قرن نتعرض للظلم والاضطهاد لكن لا احد يتحرك لمساعدتنا… اتساءل عن عدم اهتمامهم بهذه الشريحة من المجتمع”.

يتفق معه عيسى شمعون، قائلا “حتى لو عدنا الى سنجار في يوم من الايام، فاننا لن نعطي ثقتنا لأحد مرة أخرى بسبب الغدر الذي رأيناه من الناس حولنا”.

هذا العمل من نتاجات مشروع (التربية الإعلامية) الذي نفذته منظمة (MICT) الألمانية بالتعاون مع منظمة الهجرة الدولية (IOM) عام 2020.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى