“النباشة” قصة العيش في مكب النفايات جنوب الناصرية

المنصة – علي الناصري

هنادي تلك الطفلة الصغيرة بعودها الطري تبدوا كأنها امرأة بمسؤولياتها وهي تبحث بين اكداس النفايات في موقع الطمر الصحي جنوب مدينة الناصرية عن كل ما يمكن له ان يسد رمق عائلتها من مواد غذائية او مواد تصلح للبيع وتأمين احتياجاتهم من ثمنها .

عمر هنادي لم يتجاوز عشر سنوات تركت مدرستها لتنظم الى فريق العائلة في ملعب الحياة القاسية نتيجة للعوز والفقر، وهي تنهض باكرا ليحط بها الرحال بين اكوام من النفايات وتبدا رحلتها في البحث عن كل ما هو ثمين بالنسبة لها.

تقول هنادي” انه عملي من الصباح وحتى المساء ” وهي تغمض عينيها بحسرة والم وكأنها تشكوا آلامها في زمن لا يرحم وتطأطأ رأسها وتعود لتقول “هاي قسمتنه”.

المساحة الكبيرة لمكب النفايات جنوب مدينة الناصرية تمتد لمسافة (780) دونم ويأوي العشرات من الاطفال الاخرين الى جانب عائلاتهم وهم يركضون خلف كل سيارة نفايات تدخل حدود المملكة ليتجمعوا خلفها، إذ ينتظر معظم ( النبّاشة ) افراغها لحمولتها لتجتمع ايادي الصغار والكبار في عملية البحث عن كل ما هو ثمين ومفيد.

ومثل حال الطفلة هنادي يقول الفتى محمد “اعمل هنا منذ سنوات عديدة ابحث بين النفايات واحيانا حتى آكل منها لأنها تضم مواد غذائية فائضة”.

الكثير من الأغذية الموجودة بين النفايات وجدت طريقها الى معدة الطفل الخاوية وكثيرا ما تعرض الى امراض معوية كادت تودي بحياته لولا ان القدر انقذه مرات عده.

ابو علي هو الاخر يعمل في المكان مع جميع افراد عائلته الاربعة وجميعهم اولاد يقول” عيشتنا على هذه الزبالة منذ سنوات من دون ان يلتفت لنا احد” ثم يرفع رأسه ويديه متضرعا ويقول “بس نقول الله كريم” ويشير ابو علي الى مأساة عائلات عديدة من ( النباشة) كونهم يعانون من شظف العيش وسط امراض وتحديات النفايات لكنهم صابرون من اجل معيشتهم.

مواقف فريدة يسجلها موقع النباشة بين فترة واخرى ومنها العثور على مقتنيات ثمينة تم استرجاع قسم منها بعد التعرف على اصحابها من خلال سائق سيارة الكابسة الحكومية كما يقول الحاج علي عايد وهو من اوائل العاملين في هذا الموقع .

موقع النباشة الواسع يتعرض بين الحين والاخر الى الحرق بقصد او من دون قصد لتمتد اعمدة الدخان الممزوجة برائحة النفايات الكريهة الى مسافات طويلة إذ تشكل تحديا صحيا وبيئيا للعاملين فيه والمناطق السكنية القريبة منه وكثيرا ما اشتكى سكان تلك المناطق من هذا الواقع واثاره على الامراض التنفسية وكذلك الاضرار البيئية.

يقول الحاج سعد حسن وهو من سكنة منطقة الاسكان الصناعي ان “موقع الطمر الصحي يشكل تحديا كبيرا لهم بسبب اعمدة الدخان من الحرائق المستمرة دون معالجات حكومية على الرغم من الشكاوى والمطالبات المستمرة بنقله الى خارج حدود المدينة”.

الحكومة المحلية قررت مؤخرا نقل موقع الطمر الصحي الى مكان بديل اخر وشرعت بعملية رفع النفايات كما يقول مدير دائرة البلدية قحطان عدنان والذي اشار الى “حجم التحديات من مساحة الموقع الكبيرة والتي تتطلب امكانيات وجهود كبيرة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية وعدم وجود موازنة مالية”.

ومع كل سيارة حمل تقوم بنقل النفايات الى الموقع البديل تقف الطفلة هنادي بصمت وهي تضع يديها على خصرها وبنظرات التحدي وكأنها تقول سأعيش رغما عن كل شيء حتى في الموقع الجديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى