بيت العود: دكانة الطين التي انتجت آلة سحرية عزفت عليها انامل المشاهير

بغداد ـ سارة القاهر

في احد الازقة القديمة للعاصمة بغداد، تسمع صوت لحن العود يخرج من دكان قديم صنع من الطابوق الطيني والصفيح، ورغم مضي سنين طويلة على هذا الدكان لكنه ما يزال يستمد قوته من اوتار العود الذي يصنعه الحاج فؤاد.

حين تدخل الدكان وما ان تقع عيناك على الجدران ، حتى يبهرك الكم الكبير من صور الفنانين وعازفي العود والمطربين، الذين صنع لهم الحاج فؤاد الة العود فأبدعوا في العزف على هذه الالة العريقة ذات اللحن الجميل ، واطربوا جمهورهم على مدى اكثر من اربعة عقود ، فيما يرحب بك صاحب المحل بمعزوفة تداعب المشاعر والاحاسيس ، وتنقلك الى عالم اخر من الجمال والمشاعر والتأمل.

الحاج فؤاد او “ابو العود” كما يحلو لسكان حي الطوبجي ان يسمونه، فصانع العود هذا اصبح نقطة دالة وعلامة فارقة في هذه المنطقة القديمة من بغداد، وساعدت صناعته لالة العود ومعزوفاته وانغامه في زيادة شهرته.

الحاج فواد يبلغ من العمر (82 عاما)، مختص في صناعة العود، وهو من اقدم صانعي هذه الالة ممن لازالوا على قيد الحياة ومستمرين في ممارسة مهنة صناعة العود، بدأ حياته بالعمل نجارا لدى اشهر صانعي العود في العراق وهو محمد فاضل.

“صنعت اول عود في سنة 1957 وتم بيعه على الفور بستة دنانير، اي ما يعادل الدولار الواحد في ذلك الوقت، و قمت بصناعة 4835 الة عود انا واولادي لاحقا” يقول الرجل المسن وهو يجلس وسط فوضى ورشته.

والعود من أقدم الآلات الوترية في العالم، ومن المحتمل أنّه نشأ في البداية في جنوب بلاد ما بين النهرين ، أيّ في العراق حالياً، كما تُعدّ أصول العود مغروسةً في الأساطير ، ولكنّها تعود إلى حوالي 3000 سنة قبل الميلاد على الأقل، وعند انتشار العناصر الوظيفية والزخرفية أصبح العود شعبياً ومنتشراً في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط، والبحر المتوسط، وآسيا الصغرى، وأفريقيا، ويُعد العود حالياً الآلة الوترية الأساسية في العالم الكلاسيكي.

“اعمل منذ ستين عاما في صناعة العود، وقضيت نصف تلك السنين في منطقة الصالحية ، وبعدما تم فرز اراضي المنطقة، فقدت محلي وتوقفت عن العمل لسنوات، ولم يكن لي بديل الا ان افتتح دكانا صغيرا من بيتي، وكان ذلك قبل ثلاثين عاما بمساعدة اولادي” يقول الحاج فؤاد.

ويسرد صانع العود قصته “اعوادنا وصلت الى جميع العالم ، واكثر الفانين شهرة اقتنوا الاعواد مني، ومنهم الفنان كاظم الساهر، والعازف الشهير نصير شمه، اضافة الى كم كبير من العازفين والفنانين من العراقيين والعرب”.

وحول اسعار الاعواد التي باعها ، يقول الحاج فؤاد جهاد “اغلى عود بعته بلغت قيمته 1200 دولار ، فيما بلغ ادنى سعر 800 دولار، بسبب ارتفاع اسعار المواد التي تصنع منها الة العود”.

ولان هذه المهنة اندثرت ضمن المهن القديمة وفق متغيرات الزمن والحياة ، انخفضت اثر ذلك اعداد المحال المتخصصة بصناعة الة العود بشكل كبير، فاصبح من النادران تجد محلا مختصا بصناعة الة العود غير المستورد، إذ تنتشر بعض تلك المحال في شارع الرشيد وسط بغداد.

ورغم تقدم السن بالحاج فؤاد ومااصابه من تعب جراء ذلك، الا انه يصر على مواصلة العمل، اذ اصبحت مهنة صناعة العود خير انيس له في شيخوخته، وتمنحه طاقة ايجابية في التواصل مع الحياة والفن والموسيقى، اذ يختم الحاج فؤاد حديثه بالقول “العود سلطان الالات وجالب المسرات”.

وبين صناعة العود التي تنتمي لعالم النجارة، ولقائه بالفنانين والعازفين تعلم صانع الرجل المسن العزف السماعي على الة العود دون ان يدرس السلم الموسيقى، بل اعتمد على السماع ، حتى تمكن من عزف مقطوعات موسيقية جميلة على الة

العود، فاصبح يطرب بعزفه وانغامه اهل الحي الذين طالما يقصدون دكانته للاستماع الى حكاياته ومعزوفاته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى