الطوبة… آخر أبراج العثمانيين المنسية في البصرة

المنصة – حسين موسى العامري

تشخص بقايا من الآجر والطين في ظلال شجرة ووسط نفايات راكمها الأهالي، ويوحي شكلها الهرم بأنها بقايا برج مراقبة قديم يقع على تخوم قضاء الزبير.

أنه آخر اربعة أبراج شيدها الولاة العثمانيون الذين حكموا العراق وولاية البصرة لحمايتها من غارات البدو وقطاع الطرق، على مرمى من مدينة الزبير التي تضم أيضا المقبرة التاريخية وبقايا مئذنة مسجد البصرة وقبور بعض الصحابة.

الابراج الطينية الأربعة التي شيدها العثمانيون منذ مئات السنين اندثرت تماما باستثناء واحد خرب لم يتبق منه الكثير يقع في منطقة الدريهمية جنوب شرق مدينة الزبير ويطلق عليه الأهالي (الطوبة) ربما بسبب شكله المدوّر وقاعدته المرتكزة إلى الأرض على شكل ” طوبة” أي كرة.

صمم البرج على الطراز العثماني آنذاك باستخدام المواد المتوفرة كالطين والطابوق وبشكل قاعدة دائرية تعلوها ا فتحتان للمراقبة، وكأنه منقسم الى قسمين، ربما كانا مخصصان لتثبيت شيء ما.

يقول ابو حكمت وهو في الستين والذي نشأ وترعرع في المنطقة ويجاور محل سكناه البرج، أن المكان والبرج كانا أفضل سابقا قبل ان يسودهما الاهمال وعدم الاهتمام ويضيف لمراسل ” المنصة” حول ذلك “كان البرج يضيف لمسة جمال وإشراق على المنطقة تكسر رتابتها الصحراوية، وكنا نتردد عليه للاستمتاع بمنظره القديم والاسترخاء إلى جواره”.

ابو حكمت يشكو من إهمال الجهات المعنية للبرج ويقول” اليوم يعاني البرج من الإهمال إذ بات مكبا للنفايات ولم يعد جزءاً من وجدان أهالي المنطقة خاصة مع قدوم نازحين من محافظات أخرى وأعراب بنوا عشوائيات فيما حوله وتجاوزوا على مساحته لولا تدخل شرطة الآثار في اللحظة الأخيرة”.

يرى مسلم الصرايفي رئيس لجنة السياحة والآثار سابقاً أن الجهات المختصة “لم تتمكن من العثور على تاريخ دقيق لسنة تشييد البرج ويقول أن ” كل المعلومات التي حصلنا عليها تشير إلى أنه يعود إلى العهد المتأخر للوالي العثماني ابو المسك وكان يعد مرصدا لمراقبة الغزاة ومشاغلتهم ومنعهم من التقرب من دخول المدينة”.

ويضيف لمراسل ” المنصة” حول ذلك “كان واحد من اربعة ابراج تحيط بمدينة الزبير، إذ اندثرت الثلاثة الأخرى كما تعرض هذا البرج للتأكل والتصدع بسبب الظروف البيئية كالرياح والأمطار إضافة لعبث الناس واستخدام طابوقه للبناء طيلة العقود الماضية”.

في حين يرى الباحث ومدير دائرة اثار البصرة سابقاً قحطان عبد علي العبيد ان الفترة العثمانية عرفت ببناء الثكنات العسكرية الموازية لخط سير القوافل التجارية التي تأتي من الميناء البحري باتجاه الشمال لكي تحمي الإمبراطورية وارداتها وصادراتها من الحبوب والاسلحة وغيرها.

ويقول لمراسل ” المنصة” متوسعا في الشرح “اهتمت الامبراطورية العثمانية بولاية البصرة لموقعها الاقتصادي المهم وسعت لحماية طرقها من الغزوات والقراصنة وقطاع الطرق فأشرفت على بناء نقاط الحراسة والخانات ابتداءً من خور الزبير وصولاً الى منطقة البرجسية وصعوداً الى منطقة الرميلة وباتجاه تل اللحم والناصرية في الطريق المؤدية إلى بغداد”.

ويضيف “هذا البرج هو دليل على توجههم لحماية القوافل والمراقبة المتقدمة لحماية ولاية البصرة عامة، لكن لا يوجد دليل او مصدر يحدد بشكل دقيق أن كان جزءاُ من ثكنة عثمانية، لأنه استخدم أيضا فيما بعد خلال الاحتلال البريطاني لحرق النفايات. اعتقد أن سبب اهمال الجهات المعنية ادامته هو أن اهتمامها منصب على المباني الاسلامية “.

وبرغم وضع البرج المزري إلا أن عبيد يشيد بأهالي المنطقة الاصليين الذين حاولوا حمايته عن طريق الابلاغ لدى شرطة الاثار ضد التجاوزات التي كادت تطال البرج في زمن الفوضى وانتشار العشوائيات خصوصا في2006_2007.

يقول قائم مقامية قضاء الزبير الاستاذ عباس ماهر السعيدي ان مدينة الزبير تحتوي اثارا كثيرة ومتعددة ولم تجر عليها عمليات تنقيب جادة “هذه اراضي تضم حقب تاريخية اسلامية مندثرة انتفى الاهتمام بها منذ 2003 نتيجة ضعف الدولة وعدم توفر الدعم المادي فتعرضت للتجاوز والتخريب من سكنة العشوائيات”.

السعيدي ومعنيون آخرون يرون أن في قضاء الزبير ما زالت هناك مساحات شاسعة تتطلب تنقيبا ودراسة لفترات تاريخية تمتد لأكثر من ألف عام، إضافة إلى احياء الفعاليات التجارية والسياحية الخاصة بسوق المربد القديم وسواه. كما أن البرج نفسه يحتاج ترميما وصيانة للإبقاء عليه واستغلاله كوجهة سياحية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى