“مس بيل” الهولندية الوحيدة التي تستطيع اقتحام كل ابواب اللاعبين في السياسة العراقية

المنصة – مصطفى حبيب

تثير مبعوثة الأمم المتحدة في العراق جينين بلاسخارت نقاشا واسعا بين العراقيين، لنشاطها ومواقفها، ليس فقط لأنها تستطيع لقاء السياسيين المتخاصمين، بل انها الوحيدة التي يفتح لها رجل الدين الشيعي الأبرز في البلاد علي السيستاني ابوابه للحوار بينما اغلقها بوجه كل السياسيين منذ سنوات.

انشغل العراقيون في الأيام الماضية بالمرأة التي تمثل بعثة الأمم المتحدة في البلاد بعد لقائها القائد الفعلي لقوات “الحشد الشعبي” عبد العزيز المحمداوي والمعروف باسم “أبو فدك” وهو أيضا قيادي في “كتائب حزب الله” المعروفة بولائها لإيران، وتعرضت بلاسخارت الى انتقادات سياسية وشعبية بسبب هذا اللقاء، وتم اتهامها بالعمل والتنسيق مع الفصائل الشيعية.

ردت بلاسخارت على الحملة ضدها بالقول، ان الحياد هو أساس عمل الأمم المتحدة ما يعني ان نتعامل مع كل أصحاب الشأن من اجل تحقيق السلام، فالحوار هو الحل الوحيد، والتخويف والعنف ليس الطريق الى الامام.

كان سبب لقاء بلاسخارت مع القيادي في كتائب حزب الله هي الهجمات الصاروخية التي تستهدف المنطقة الخضراء، وتحديدا السفارة الأميركية والمنشئات التابعة لها في مطار بغداد وكذلك مدينة أربيل، والتي دفعت الولايات المتحدة الأسبوع الماضي الى تهديد السلطات العراقية بأغلاق السفارة ومغادرة البلاد.

يفهم العراقيون جيدا ما يعني ان تغادرهم واشنطن، فالمغادرة تعني قطع الدعم المالي والعسكري بينما يعاني البلاد من ازمة مالية حادة، وكذلك فان سفارات اوربية وعربية أبلغت الحكومة العراقية ان اغلاق السفارة الأميركية قد يدفها أيضا الى قرار مماثل، ما سيدخل العراق في عزلة دولية.

وقبل لقائها مع القيادي في كتائب حزب الله بايام، عقدت بلاسخارت عشرات اللقاءات مع كبار المسؤولين بدءا من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء مرورا بقادة الامن والجيش والمسؤولين في إقليم كردستان لمناقشة التطورات الخطيرة في البلاد، لتقرر أخيرا الجلوس مع الجهة التي من الممكن ان تتدخل لوقف الهجمات.

تخفيف حدة التوتر الأميركي الايراني في البلاد هي المهمة الحالية لـ بلاسخارت، وبعد لقائاتها الأخيرة في العراق، تنوي زيارة طهران خلال الأيام القليلة المقبلة لمناقشة القضية معهم أيضا.

ليست المرة الأولى التي تثير فيها بلاسخارت النقاشات بين العراقيين، عند انطلاق تظاهرات أكتوبر 2019 في البلاد، فاجئت الجميع، وظهرت وسط المحتجين في ساحة التحرير وهو راكبة في ال “تك تك” الذي اصبح ايقونة التظاهرات، ما جعلها محبوبة من قبل المحتجين، ولكن تم انتقادها في ذلك الحين من الأحزاب الشيعية واتباعهم بسبب ذلك، ولكنها بعد ان تلتقي مع المسؤولين الذين يكرهم المتظاهرين ينقلبون عليها.

ولكن الامر الذي يبقى ملفتا للنظر، وتمتاز به بلاسخارت دون غيرها، فان رجل الدين الشيعي الأبرز في البلاد يحظى باحترام الكثير من العراقيين علي السيستاني قرر اغلاق بابه بوجه جميع السياسيين، ولم يستقبل أي سياسي منذ سنوات، لكنه يفتح بابه للمبعوثة الأممية بلاسخارت.

وخلال عام التقت بلاسخارت مع السيستاني مرتين في منزله في مدينة النجف، اخرها منتصف الشهر الماضي، وظهرا معا في صور ومقطع فيديو نادر للسيستاني ليؤكد صحة الرجل الذي تجاوز عمره التسعين وردا على شائعات تسري عن مرضه وحتى وفاته.

بعد هذا اللقاء خرجت بلاسخارت ببيان قوي نقلا عن السيستاني، دعا فيه الحكومة للكشف عن قتلة المتظاهرين، وضرورة اجراء الانتخابات المبكرة بلا تزوير وتلاعب، وحصر السلاح بيد الدولة وتحقيق سيادة البلد، في إشارة الى الفصائل المسلحة الشيعية، والصراع الأميركي – الإيراني داخل البلد.

ينقسم العراقيون حول النشاط الذي تقوم به بلاسخارت، فالجيل اليافع من الشباب، يربطون آرائهم حولها وفقا لما تقوم به، عندما تتحدث باسمهم ومشاكلهم تكون محبوبة، ولكن عندما تلتقي السياسيين والمسؤولين خصوصا المثيرين للجدل فأنها تتعرض الى انتقاد.

ويقول مازن محمد وهو احد الناشطين في التظاهرات لـ “المنصة” “على الأمم المتحدة ان لا تلتقي مع مسببي الازمة في العراق، وان تقف مع الشعب العراقي، كان لقائها مع أبو فدك مثير للاستفزاز، وعليها ان تراجع نفسها”.

اما الجيل الأكبر سنا، فهم يشبهونها بـ غيرترود بيل والمشهورة باسم “المس بيل” وهي مستشارة للحكومة البريطانية عملت في العراق خلال عشرينات القرن الماضي عندما كان العراق تحت سيطرة بريطانيا وذاع صيتها في ذلك الوقت، وكانت مهمتها اللقاء مع جميع فئات الشعب من السياسيين ورجال الدين وقادة القبائل والناس البسيطة، وتضع حلول للمشاكل حتى أصبحت حلقة الوصل الرئيسية بين العراقيين وبين الحكومة البريطانية.

توفيت “مس بيل” في العراق ودفنت في بغداد بعد تشييع مهيب حضره حتى ملك العراق آنذاك فيصل الأول.

ويقول مؤيد عبد الكريم (59 عاما) لـ “المنصة” “لم يشهد العراق نشاطا بارزا لأمراه دبلوماسية في العراق مثل “مس بيل” التي اشتهرت بين جميع العراقيين في بداية القرن الماضي، وما زالت مذكراتها التي كتبتها عن العراق مشوّقة للعراقيين، واليوم تظهر امرأة جديدة تثير النقاشات كما حصل مع “مس بيل” ولكنها هولندية، ولهذا نطلق على بلاسخارت اسم “مس بيل” الهولندية.

وفي افاداتها الدورية في مجلس الامن حول تطورات الأوضاع في البلاد، غالبا ما تكون صريحة جدا، وتتهم الأطراف ذات التأثير السلبي في البلد دون خوف، وتشيد بالاحتجاجات الشعبية المطالبة باصلاح الأوضاع بلادهم.

ولكن الحاجز العميق بين العراقيين والطبقة السياسية، يجعل من مهمة هذه المرأة صعبا، فالعراقيون يكرهون جميع السياسيين، ويريدون ان يستمع الدبلوماسيون الأجانب اليهم فقط، بينما تقتضي مهمة بلاسخارت ان تلتقي أيضا بالسياسيين والمؤثرين في المشهد العراقي حتى أولئك الذي يعتبرون متشددين.

بلاسخارت هي الرئيس السابع لبعثة الأمم المتحدة في العراق المعروفة باسم “يونامي” وتأسست بعد 2003 لمساعدة العراق، المبعوثين الستة السابقين كانوا رجال ولم يحضوا بالشهرة بين العراقيين كما حصل مع المرأة الهولندية الشقراء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى