سائق تكسي يعطي الكمامة نفسها لجميع زبائنه 

المنصة- مرتضى الحدود

ما أن جلست في المقعد الأمامي وطلبت منه إيصالي إلى مقر عملي حتى فاجأني سائق سيارة الأجرة “محمد صبيح” بصوت جازم: “البس الكمامة لو سمحت!”. 

لم يكن معي كمامة أرتدريها فأحنى ظهره ومدّ يده إلى مقبض صندوق الأوراق قبالة مقعدي مخرجاً قطعة من القماش الأزرق، قائلاً لي: “بسيطة.. البس هذه”. 

ولمزيد من التعقيم التقط من الصندوق عبوة بخاخ بلاستيكية صغيرة الحجم وضغط مرتين على رأس العلبة في كفّ يدي، فشكرته ودعوت الله أن يكثر من أمثاله.

أعد لي الكمامة!

حوالي نصف ساعة أمضيناها أنا و”محمد” في شوارع مدينة الناصرية، لم يترك فيها شاردةً ولا واردةً عن وباء كورونا إلا وذكرها.

فبدأ بأخبار انتشار الوباء في عموم مناطق البلاد ثم تحدث عن فشل الحكومة المركزية ومجالس المحافظات في مكافحته وسوء حال المستشفيات والقطاع الطبي، وعرّج على تقصير الناس في اتخاذ الاحتياطات اللازمة، وصولاً لجهلهم المطبق في التعامل مع كورونا وسهولة تصديقهم للإشاعات التي تنتشر على صفحات الفيسبوك.

كانت دواليب السيارة تدور ولسانه يدور بلا توقف سارداً أكثر من قصة عن وفيات من معارف وأقارب له من الدرجة الأولى والثانية، واحد منهم خطفه المرض في زهرة شبابه وآخر كان من طاعنيّ السن فلم يحتمل المرض ومات خلال ساعات قليلة.

كان السائق “محمد صبيح” يفتتح كل قصة قائلاً “الله يرحم فلان.. كان كذا وكذا” إلى أن وصلنا إلى مكان عملي.

وما أن مددت يدي إلى جيب بنطالي لأنقده المبلغ المستحق حتى طلب مني أن أعيد الكمامة إليه قائلاً: “انتهت سفرتك..أعطني الكمامة لو سمحت.. سوف يحتاجها ركّاب آخرون ليس لديهم كمامات!”.

أسلوب جديد للوقاية

بهذه الطريقة يقوم محمد يومياً بالاستعانة بكمامة واحدة لجميع زبائنه، معتقداً وبكل ثقة أنها إحدى طرق الوقاية من فايروس كورونا.

وهو ما دفعني لاستوقفه  بعض الوقت وأسأله إن كان مقتنعاً فعلاً بما يقول، ولأعلم منه إن كانت طريقته هذه تدفع الوباء عن الناس، أم أنها تساعد كورونا نفسه على تنفيذ مهمته في قتلنا جميعاً!

ثم أضفت بغضب أنني لست أول المستخدمين لهذه الكمامة، ولا شك أن العشرات غيري سبق أن وضعوها فوق أنوفهم قبل أن تصل إلى أنفي.

ركن سيارته بالقرب من الرصيف المحاذي لشارع النهر وسط الناصرية ثم أطفأ محركها ونظر إلي من خلف كمامته السوداء وقد بانت ابتسامته من خلال تجاعيد عينيه ليقول: “نعم  .. هكذا يمكن ان أقي نفسي والراكب من أي إصابة محتملة”.

محمد الحاصل على شهادة الدراسة المتوسطة يزعم أنه شاهد العديد من التقارير التلفزيونية عن كيفية الوقاية من المرض وأن هذه الطريقة واحدة منها. 

وهو يحسب نفسه من السائقين القلائل الذين يحرصون كل صباح على تعقيم الأجزاء الهامّة في السيارة، مقابض الأبواب وألواح الزجاج والمقاعد الجلدية، فضلاً عن تخصيصه مناديل معطرة وعبوات تعقيم صغيرة للزبائن.

لا نتيجة 

لم أصل مع “محمد صبيح” الى نتيجة مقنعة بخصوص “منهج الكمامة الواحدة” الذي يستخدمه، فهو يعتقد أن الفايروس “يموت” عندما يلامس سطح الكمامة، وبالتالي لا يمكنه الانتقال من شخص إلى آخر عن طريق الكمامة نفسها.

سلوك محمد -وهو مزيج من الجهل والطيبة- ليس قاعدةً يسير عليها جميع السائقين هنا في الناصرية، لكنها حادثة تكررت مع أكثر من شخص كنت واحداً منهم.

وقد نشر آخرون قصصاً مشابهة على وسائل التواصل الاجتماعي كنت أظن أنها من باب المزاح أو قصص من بنات الخيال إلى أن ساقتني الأقدار إلى سيارة “محمد”.

أكتب هذه الكلمات فور وصولي إلى مقر عملي، وأمامي مذيع على شاشة تلفزيون يقول بصوت عريض إن أعداد المصابين بكورونا ناهز نصف المليون في العراق، بينهم أكثر من 12 ألف حالة وفاة. 

وأسأل نفسي: هل يا ترى جميعهم ركبوا سيارة التاكسي نفسها مع صديقنا “محمد”، وهل جميعهم وضع تلك الكمامة الزرقاء فوق أنفه قبل أن يتوفاه الله؟

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى