المتحف العراقي في بغداد.. زيارة واحدة لا تكفي

المنصة- سناء الجميلي

يمكن لزائر بغداد التوجه إلى جانب الكرخ وتحديداً إلى منطقة علاوي، لزيارة المتحف العراقي، أحد أقدم متاحف المدينة وأغناها بالمقتنيات. ورغم أن المتحف لا يبعد عن كراج العلاوي سوى مسافة 7 دقائق أو أقل سيراً على الأقدام لكن السائقين لا يعرفون موقعه بالضبط كما لا تتوفر في الكراج أي لافتة أو إشارة تدل على مكانه، مما يشير إلى ضعف الترويج لواحد من أكبر المعالم السياحية في البلاد وأكثرها أهمية.

ويعود الاهتمام بالآثار العراقية إلى أكثر من قرن مضى إذ زارت أول بعثة تنقيبية رسمية البلاد سنة 1899 وكانت بقيادة الألماني روبرت كولد أما فكرة إنشائه فتبلورت سنة 1923 وذلك بإشراف “مس بيل” التي أرسلت مع البعثة البريطانية ولعبت دورا بارزاً في هذا المجال. 

وبالفعل تم افتتاح المتحف سنة 1926 وكانت بنايته الاولى في شارع المأمون بالقرب من تمثال معروف الرصافي حالياً، ومع تطور عمليات التنقيب وزيادة مقتنياته تم نقله إلى موقعه الحالي سنة 1935 في مجمّع مطابق للمعايير العالمية في بناء المتاحف، يضم فضلا عن المتحف “هيئة التراث والآثار” و”مكتبة المتحف” و”متحف الطفل”.

عند الدخول إلى المجمع، بين الاستعلامات ومبنى هيئة الآثار يمكن مشاهدة تمثال الآثاري طه باقر المتوفى سنة 1984، و وهو واحد من أبرز علماء الآثار واللغويات في العراق وقد تولى سابقاً منصب أمين سر المتحف.

وعند إكمال السير نحو الأمام وتحديداً عند باب المتحف ينتصب تمثال المعبود “ئابو” الذي يمثل إله الحكمة والمعرفة في العراق القديم، ويعود هذا التمثال الحجري إلى القرن الثامن قبل الميلاد، وبعد الدخول وإيداع الأغراض الشخصية بغرفة الأمانات يبدأ الزائر رحلة استكشاف عصور بلاد وادي الرافدين القديمة.

ويمكن للزائر التجوال في 24 قاعة حيث تعرض المقتنيات على أساس التسلسل الزمني للعصور بدءاً من عصور ما قبل التاريخ يليها عصر الكتابة والدولة السومرية التي كانت عند زيارتنا مغلقة لغرض التأهيل لكنها تبقى رغم ذلك إحدى أهم القاعات بحسب مختصين وتحتوي على مجموعة فخاريات محفورة برسوم هندسية. 

وفي قاعة العصر البابلي الحديث تعرض مجموعة اختام اسطوانية ومنبسطة منقوش عليها مشاهد وصراعات مختلفة، وقد أقبل عليها عدد من الوافدين الاجانب ومعهم أحد أمناء المتحف كان يشرح لهم طبيعة هذه الأختام.

ثم قال مفتخراً: “هذه الأختام لا يمكن العثور عليها إلا في بلاد ما بين النهرين” مبيناً ان سكان في جنوب بلاد ما بين النهرين وجنوب غرب إيران قاموا باختراعها في النصف الثاني من الألفية قبل الميلاد وبقي شكلها منتشراً بكثرة حتى الالفية الأولى قبل الميلاد.

أما في قاعة آثار مدينة الحضر، وتحديداً تلك التي تعود إلى الفترة الهلنستية بجوار مدخل القاعة، فهناك تمثالان من حجر الكلس يمثل كل منهما أسداً رابضاً على قاعدة حجرية، وفي منتصف القاعة عدة تماثيل أخرى منها واحداً يجسّد امرأة ترفع يدها اليمنى بإشارة التحية وترفع طرف ثوبها بيدها اليسرى، وهناك تابوتان مصنوعان من الفخار إضافة إلى تماثيل أخرى.

 وكان المتحف قد تعرض لأكثر من حادثة اعتداء منذ افتتاحه، أشهرها عقب الغزو الأمريكي سنة 2003 وإسقاط نظام صدام حسين، إذ تشير التقديرات إلى وجود قرابة 220 ألف قطعة أتى اللصوص على قرابة 15 ألفا منها، ولم يعد منها سوى 4000 فقط والبقية ظلت حتى الآن مسروقة. 

كما الجماعات الإرهابية المسلحة سنة 2014 دمرت اثارا مشابهة في الموصل لكنها لم تستهدف المتحف في العاصمة بغداد.

يقول الدكتور عباس عبد منديل معاون مدير دائرة المتاحف  “عمليات تخريب و تدمير الاثار العراقية هي عملية ممنهجة ومدروسة هدفها طمس الهوية العراقية”.

ويتابع أن ما حصل من استهداف مواقع أثرية ومتاحف في السنوات الماضية من قبل جماعات إرهابية دفع المنظمات الدولية إلى توسيع الاهتمام بحمايتها “بعدما أدرك العالم بأننا خسرنا إرثا إنسانياً مشتركاً”.

عند الانتهاء من الجولة هذه القاعة، وفي نهايتها تماماً يعثر الزائر على سلم يقوده إلى العصر الفرثي (247 ق.م – 224 ب.م) وهي امبراطورية قديمة مركزها إيران الحالية، ويعرض في هذا القسم مجموعة من الزمزميات والفخاريات مختلفة الاحجام و الاشكال عليها آثار اصباغ ومزينة بعدة نقوش مختلفة.

وما أن تنتهي من زيارة هذا القسم حتى تجد نفسك في فترة عصور الإسلامية، وأبرزها مقتينات تعود للعصر العباسي في القرنين الثالث والرابع الهجريين، تتميز بوجود عدد من الأواني الفخارية المزججة والملونة مرسوم عليها اشكال طبيعية، وفخاريات مزججة و غير مزججة عثر عليها بمواقع مختلفة مثل سامراء شمال بغداد وواسط و البصرة و بابل.

وفي نهاية الرحلة عند  آخر قاعة يتجول الزائر في معرض للخواتم و الأساور والعقود القديمة مصنوعة من معادن مختلفة، و أيضا مجموعة من النحاسيات أبرزها “الهاون” وهو وعاء مجوف من الحديد او النحاس يدق فيه الطعام و التوابل و الدواء عليه زخارف نباتية تعود لعصور اسلامية متأخرة، كما توجد قوالب معمولة من المعدن لصناعة الاحذية ومجاميع من الأواني المعدنية المختلفة.

وعلى الرغم من أن ذاكرة العراقيين مرتبطة بسرقة جزء من آثار المتحف سنة 2003 لكن كل العمليات الاستكشافية التي سبقت سنة 1899 كانت “تخريبية” بحسب الدكتور عباس عبد منديل.

يوضح معاون مدير المتحف ذلك بالقول: “كل عمليات التنقيب التي بدأت منذ 1160م وامتدت لغاية 1899م كانت عبارة عن بعثات تخريب قام بها أولا الرحالون وثانياً الهواة والقناصل الأجانب”.

ويضيف: “كلهم أسهموا في تدمير الإرث الحضاري لبلاد الرافدين من خلال سرقة الاثار الكبيرة لتزيين متاحفهم العالمية” مشيراً إلى أن عمليات النبش العشوائي و “بعثات التخريب” كما يسميها الدكتور عباس ازدادت بعد سقوط بغداد.

في نهاية الجولة وعند توجهنا إلى المخرج كانت مجموعة من السياح تشق طريقها لتبدأ رحلة استكشاف حضارات وادي الرافدين، أما الخارجون معنا من المكان، فكانوا يتهامسون أن زيارة واحدة إلى منطقة العلاوي لن تكفي للتعرف عليه وعلى تلك الحضارات العريقة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى