طاق كسرى.. إرث تاريخي يقاوم الزمن والإهمال

بغداد- علي رياض
على بعد بضعة كيلومترات جنوب شرق العاصمة بغداد، وتحديدًا في منطقة المدائن على الضفة الشرقية لنهر دجلة يقع طاق كسرى، أحد أهم المعالم التاريخية، والذي كان يومًا ما عاصمة الإمبراطورية الساسانية.

بين أطلال المدائن، تتمازج الطبيعة الخضراء على ضفاف دجلة مع اللون الترابي للأحجار القديمة. وعند الغروب، تلامس خيوط الشمس الذهبية الحواف المتآكلة للطاق، فترتسم لوحة بصرية تُذكر بعراقة المنطقة، وبالملوك والفرسان الذين استوطنوها.
وحسب الروايات الدينية، فإن طاق كسرى قد انشق عند ولادة الرسول الأكرم محمد (ص) حيث ارتجّ إيوان كسرى وسقطت منه 14 شرفة وخمدت نيران الفرس، وهو أمر لم يحدث منذ ألف عام.

ورغم هذه الرمزية الدينية والمعمارية، فإن المعلم مغلق أمام الزوار منذ أكثر من ثلاث سنوات، بعد أن تهدم جزء من سقفه.
المشروع الحكومي الذي انطلق لإعادة ترميم الإيوان بالشراكة مع جامعة بنسلفانيا وبرعاية اليونسكو، لم يكتمل، فالمرحلة الأولى اقتصرت على وضع مساند حديدية لإيقاف التهدم، فيما تعثرت المرحلة الثانية، وهي الأهم.

يقول أكرم رحيم، أحد موظفي هيئة الآثار في المدائن: “أُغلق الإيوان منذ أكثر من ثلاث سنوات بسبب تهدّم جزء من سقف الطاق. تعاقدت الحكومة مع جامعة بنسلفانيا برعاية اليونسكو لإعادة ترميم الإيوان. المرحلة الأولى كانت إيقاف التهدم بوضع مساند حديدية تحت السقف، أما المرحلة الثانية فكانت تهدف إلى ترميم الطاق بالكامل، لكنها لم تُستكمل، وأصبحت الزيارات مقتصرة على البعثات والباحثين الأجانب”.
وجهة للباحثين
يقول أحمد ثامر، شرطي الآثار المكلف بحراسة الطاق: “أُغلقت الأبواب في وجه الجميع باستثناء من يحصل على موافقة هيئة السياحة والآثار”. ويضيف أن الطاق يستقبل العديد من البعثات من دول مثل تركيا وبولندا وباكستان وإيران وبريطانيا وهولندا والصين وإيطاليا.

عند وصولي إلى الموقع، الذي يبعد عن منزلي خمس دقائق بالسيارة، سبقتني البعثة الإيطالية، وكان أفرادها مندهشين من روعة الهندسة المعمارية. تحدثت مع إحدى أفراد البعثة، وهي كرستينا، التي قالت: “جئنا من إيطاليا إلى العراق، بلد الحضارات، لإجراء بحوث على بعض المواقع الأثرية. بدأنا من البصرة، ثم الناصرية، فالديوانية، ثم الكوفة وبابل، وها نحن هنا في المدائن، ونتجه لاحقًا إلى سامراء”. لم أستطع إكمال الحديث معها لضيق الوقت، لكنني التقطت بعض الصور معهم، وكانوا في غاية الود.
أعجوبة هندسية
خلال تجولي داخل الإيوان، أطلال الإمبراطورية التي حكمت جزءاً من العالم فترة من الزمن، بدا واضحًا الإعجاب بالهندسة المعمارية التي جعلت من الإيوان مركزًا للحكم ومكانًا لاجتماعات الملك.
في تجربة شخصية، عند التحدث بصوت خافت، كانت الهندسة تعمل كمضخّم صوت طبيعي، حيث كان الصوت ينتقل لمسافات بعيدة، ما يفرض الاستماع والإنصات أثناء حديث الملك.

بالنسبة لباحثين التقيتهم، فإن المدائن ليست مجرد مدينة أثرية، بل كانت ملتقى حضارات السلوقيين والإغريق والرومان والفرس، وتحمل عبق أكثر من ألفي عام من التاريخ المتراكم. وعلى الرغم من أن المدينة القديمة باتت مجرد أطلال متناثرة، فإن الطاق لا يزال محتفظًا بهيبته، يجذب الزوار والمؤرخين، في منطقة أصبحت اليوم تعج بالأسواق والمدن الحديثة التي نشأت على أنقاض المدينة الأثرية.
عمارة تتحدى الزمن
يوضح الباحث التاريخي في جامعة طهران، ضرغام حسن، إن طاق كسرى (بالفارسية إيوان خسرو) هو بناء ضخم وجزء من المجمع الملكي في العاصمة الشتوية للساسانيين الذين حكموا بين 226–637م. ويُقال إن القصر كان يضم عرش كسرى، الذي كان ضخمًا لدرجة أن نقله كان يُعد عملية عسكرية كاملة.

وعُرفت العاصمة باسم المدائن في العربية، ومديناثا في الآرامية، وطيسفون في الفارسية، وكانت القاعة كانت للعرش، وبُني الطاق في عهد كسرى الأول (خسرو أنوشروان 531–579م)، أحد أقوى ملوك الدولة الساسانية”.
ويضيف: “اختير موقع طيسفون لسببين رئيسيين: أن تكون في غرب الإمبراطورية الإيرانية لأغراض دفاعية ضد الرومان، وأن تكون على طرق التجارة شرق نهر دجلة. كذلك، لم تكن بعيدة عن سلوقية، المركز الأسبق في بلاد الرافدين، التي تقع قبالتها على الضفة الغربية. وطيسفون، إلى جانب سلوقية وماحوزا وساباط وبه أردشير ودرزنديان ورومية، تشكل مجموعة المدن التي تُعرف بالمدائن”.
وعن عمارة الطاق الهندسي، يوضح: “يُعد إيوان كسرى معجزة هندسية لأسباب منها القوس الطولي المفتوح بارتفاع نحو 37 مترًا وطول 26 مترًا، وهو الأكبر في العالم القديم من الطوب غير المدعوم. كما استخدم المهندسون الساسانيون العقود المتداخلة لتوزيع الوزن دون أعمدة، ووجّه البناء نحو الغرب لاستقبال الضوء الطبيعي، وسمح تصميمه بدخول الهواء وتجديده في القاعة”.
رمز للصمود أمام النسيان
لم يكن طاق كسرى مجرد بناء للحكم، بل كان مركزًا سياسيًا وثقافيًا واقتصاديًا، وظلت المدائن حية حتى فتحها العرب المسلمون في منتصف القرن السابع، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة.

الباحث ضرغام حسن حديثه يقول: “لا يمكن اعتبار الطاق، أكبر قوس غير مدعوم في العالم القديم، مجرد أثر عادي، بل هو شاهد حي على العمق الحضاري للعراق، الذي أنجب حضارات عظيمة واستقطب جيرانه على مر العصور”.
وسبق أن نفذت أعمال ترميم في هذا الموقع الأثري في عام 2013 بعد سقوط جزء ضخم بسبب الرطوبة الناجمة عن الأمطار الغزيرة، لكن الطوب الجديد أيضًا بدأ في التهالك بعد هطول الأمطار العام الماضي.

لكن رغم ما مرّ به من فيضانات وإهمال، لا يزال طاق كسرى صامدًا. وصموده هذا يحمل رسالة، “أن للحضارات جذورًا عميقة يصعب اقتلاعها”، بحسب تعبير الباحث ضرغام حسن، الذي دعا إلى ضرورة إكمال مشروع الترميم، خصوصًا وأن المدينة الأثرية تتطلب الكثير من الاهتمام.
وقال باحثون التقيناهم خلال إعداد هذا التقرير من أن الموقع يشهد اليوم تعديات عمرانية عشوائية تهدد طبيعته الأثرية، فضلًا عن تأثيرات مناخية متزايدة قد تُسهم في تسريع تآكل البنية المعمارية للطاق إذا لم تُتخذ إجراءات وقائية عاجلة، محذرين من أي تأخير في أعمال الترميم قد يُفاقم من احتمالات الانهيار.



