حين تتحول الأزمة إلى إنجاز: سارة اخترعت سبعة أجهزة طبية وصنعت الأمل في زمن الاختناق

  المنصة- مرتضى الحدود

على مدى خمسة أعوام مضت تمكنت الشابة ساره سهيل من تصنيع سبعة أجهزة طبية ناجحة، من بينها جهاز التنفس الاصطناعي، وجهاز لقياس وظائف الجسم، بالإضافة إلى أطراف صناعية وأجهزة تأهيلية مخصصة للمصابين بالشلل والرعاش، تعمل عبر متحسسات دقيقة تستجيب لإشارات العضلات، فرحلتها في اختراع الاجهزة الطبية بدأت مع فيروس كورونا ولن تنتهي قبل ان تكمل تلك الاختراعات.

في عام 2020، في الوقت الذي أحكم فيه فيروس كورونا قبضته على العالم، بدا أن كل شيء يتوقف: المستشفيات كانت تحت ضغط، المدارس مغلقة، والخيارات ضيقة أمام الجميع. لكن وسط هذا الجمود، كانت هناك عقول تتحرك بصمت، تبحث عن حلول.

في العراق، لم تكن الحاجة لأجهزة التنفس مجرد رقم في تقارير وزارة الصحة بل أزمة ملموسة عاشها الناس يوميًا. من هذه الأزمة، خرجت الشابة سارة سهيل بفكرة غير متوقعة، قادتها من العزلة المنزلية إلى تصميم جهاز تنفس بجهود فردية، استجابةً لحاجة ميدانية عاجلة.

خلال ذروة الموجات الوبائية في العراق، واجهت المؤسسات الصحية نقصًا حادًا في أجهزة التنفس الاصطناعي، وخصوصًا في المستشفيات العامة التي لم تكن مؤهلة للتعامل مع معدلات الإصابة المرتفعة. ووفقاً لتقارير وزارة الصحة حينها، لم تكن الطاقة الاستيعابية للمعدات تلبي حتى نصف الحاجة اليومية في بعض المحافظات.

تقول سارة (23 عامًا) إن الجائحة شكلت نقطة تحول في حياتها، وكانت الدافع الأول لدخولها عالم البرمجيات وتصنيع الأجهزة الطبية. “انطلقت بدافع إنساني، وشعور بالمسؤولية تجاه المرضى، بعد أن شهدت نقص أجهزة التنفس في مستشفيات العزل، كما أخبرني عمي الذي كان يعمل آنذاك في أحد المراكز الصحية”.

في ذلك الوقت كانت سارة تستعد للالتحاق بقسم هندسة الأجهزة الطبية في الجامعة الوطنية الأهلية في ذي قار. إلا أن تأخر افتتاح القسم بسبب الإجراءات الإدارية وتفشي كورونا، أوقف الدراسة مؤقتًا، وترك لها عامًا دراسيًا مؤجلًا. قررت حينها أن تستثمر هذا الفراغ في تطوير مهاراتها التقنية.

بدأت بتعلم البرمجة ذاتيًا، وركزت على تقنية “الأردوينو”، وهي منصة إلكترونية تساعد في بناء أنظمة تحكم ذكية من خلال أكواد برمجية بسيطة. ومن خلال دمج ما تعلمته مع ما سمعته من داخل المستشفيات، نشأت فكرتها: تصنيع جهاز تنفس باستخدام هذه التقنية.

تُستخدم منصة الأردوينو عالميًا في تطوير مشاريع أولية منخفضة التكلفة، خاصة في مجالات التعليم، والروبوتات، والتطبيقات الطبية. وتكمن أهميتها في قدرتها على تشغيل المستشعرات والمحركات بدقة، ما يجعلها أداة فعالة لتصميم نماذج أولية لأجهزة التنفس أو الأطراف الصناعية.

باشرت بتجميع المستلزمات من السوق المحلية، ومن بغداد، وأخرى طلبتها من الخارج. خلال خمسة أشهر، خاضت ثلاث محاولات؛ فشلت الأولى والثانية، لكنها واصلت العمل حتى نجحت المحاولة الثالثة. تقول سارة للمنصة: “خمسة أشهر من المحاولات، شهدت خلالها الكثير من التجارب والفشل في مرحلتين، قبل أن تنجح المحاولة الثالثة، والتي جاءت بنتائج واعدة”.
وتضيف: “جربت الجهاز على أحد أفراد عائلتي المصابين بكورونا، وكانت النتائج مشجعة جدًا”.

مع استئناف الدراسة وافتتاح القسم، التحقت سارة مباشرة، وطرحت مشروعها العلمي على الكلية، فحظي بدعم أكاديمي وتمويل ساعدها على تطوير جهازها. هذا المشروع لم يبقَ مجرد نموذج أولي، بل تحول إلى بوابة لمشاريع أخرى.

تقول: “تمكنت حتى الآن من تصنيع سبعة أجهزة طبية ناجحة، من بينها جهاز التنفس الاصطناعي، وجهاز لقياس وظائف الجسم، بالإضافة إلى أطراف صناعية وأجهزة تأهيلية مخصصة للمصابين بالشلل والرعاش، تعمل عبر متحسسات دقيقة تستجيب لإشارات العضلات، إلى جانب جهاز خاص بفصل عينات الدم، يُستخدم فعليًا في مختبر الجامعة منذ أكثر من عام”.

طموحاتها لم تتوقف عند هذا الحد. تعمل سارة حاليًا على تسجيل براءة اختراع لجهاز طبي جديد، وتأمل أن تسهم به في دعم المنظومة الصحية. كما دعت إلى إنشاء مدينة صناعية تحتضن المبتكرين والخريجين من أصحاب المهارات التقنية، بهدف توطين صناعة الأجهزة الهندسية والطبية، وتحويل العراق من بلد مستورد إلى منتج للتكنولوجيا.

في ظل غياب مدينة صناعية مخصصة للتقنيات الحيوية، يعتمد العراق بشكل شبه كامل على استيراد الأجهزة الطبية الجاهزة، مما يجعله عرضة لأزمات التوريد في أوقات الطوارئ، كما حدث خلال الجائحة. وقد طرحت جهات أكاديمية مرارًا فكرة إنشاء حواضن تصنيع تقني تستقطب خريجي الهندسة والعلوم، لكنها لم تُفعّل على أرض الواقع حتى الآن.

كرار نجم، عم سارة ويعمل في دائرة الصحة، أشار إلى أن دعمه لابنة أخيه بدأ معنويًا ثم تطور إلى دعم مادي مع تطور مشاريعها. وقال: “حاجة المستشفيات خلال جائحة كورونا كانت ملحة للأجهزة والمستلزمات الطبية، ما دفعني لتشجيعها على الاستمرار، خاصة بعد أن لاحظت أن ما تقوم بتصنيعه يلامس احتياجات المراكز الصحية بشكل مباشر”.

وأضاف أن جهود سارة في تصنيع أجهزة مثل جهاز التنفس ومراقبة الوظائف الحيوية لم تكن تجربة طلابية عابرة، بل استجابة عملية لحالة طارئة، تحولت إلى مساهمة ملموسة في دعم القطاع الصحي في ظرف حساس.

ورغم تزايد عدد المبادرات التقنية، لا يزال مسار تسجيل براءات الاختراع في العراق يواجه تحديات تتعلق بالتمويل، وضعف ربط الجامعات بسوق العمل، إضافة إلى قلة البرامج التي تتبنى الابتكارات محليًا وتحوّلها إلى منتجات قابلة للتطبيق.

وبحسب المتحدث باسم وزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي، فقد بلغ عدد براءات الاختراع الممنوحة في العراق منذ تأسيس السجل 8387 براءة، منها 532 براءة في عام 2021، و776 في 2022، و404 في 2023، و181 براءة في 2024، فيما تم منح 6 براءات فقط مع بداية عام 2025 حتى الآن. وأوضح أن منح البراءة يكون فقط للمواضيع التي تستوفي الشروط القانونية، بينما تستثنى بعض الابتكارات مثل النظريات العلمية، والبرامج الحاسوبية، والطرق الطبية.

في منزل صغير في ذي قار، بدأت سارة رحلتها بجهاز تنفس بسيط. اليوم، تحمل حلمًا أكبر، أن ترى العراق يصنع أجهزته بأيديه، ويصدّر الإبداع بدل أن يستورده. تقول إن البلاد لا تفتقر إلى العقول، بل إلى من يؤمن بها.

أنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج قريب، وهو برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى