من قاعة المحاضرات إلى كابينة الطائرة: كيف شقّت بنين العراقية طريقها إلى الجو؟

بغداد- مصطفى جمال مراد

في إحدى قاعات كلية الإعلام بجامعة بغداد، جلست الشابة العشرينية بنين عبد الأمير خلف مقعد خشبي، متتبعة بعينيها ما يكتبه الأستاذ على السبورة، فيما تسجل ملاحظاتها بلا توقف. وبين حقيبتها الجامعية وأحلامها، كانت حقيبة أخرى تنتظرها: حقيبة العمل كمضيفة طيران. فبعد أعوام من التردد والبحث، وجدت نفسها في مقصورة الطائرة، ترتدي زي الضيافة بلوني غيوم العراق وخضرته، وتتنقل بين المسافرين بابتسامة تحاول أن تمنحهم شيئًا من الطمأنينة قبل أن تطأ أقدامهم مدرّجات المطار.

لم تصل بنين إلى هذه المهنة عبر طريق واضح، بل واجهت الحيرة ذاتها التي يمر بها كثير من الشباب العراقيين أمام مستقبل غامض. تقول: “بعد إكمالي للمرحلة الإعدادية لم أجد أي كلية أو اختصاص مناسب لي فكريًا وروحيًا. أغلبها كان مملًا ويحتاج إلى جهد كبير، وكنت أشعر برغبة في عدم إكمال المرحلة الجامعية.” ظنّت أن أمامها خيارين لا ثالث لهما: أن تصبح ضابطة شرطة أو مضيفة طيران. لكن حين تقدمت قوبلت بالرفض، فاعتقدت أن الحلم انتهى. التحقت بكلية اللغات في بغداد لكنها لم تجد نفسها هناك، فتركتها بعد شهر واحد. ثم جربت كلية الإعلام، غير أن شغفها بالطيران أخذ يخبو، ليغدو حلمًا بعيدًا مثل كثير من أحلام الشباب العراقي.

تاريخ الخطوط الجوية العراقية يعود إلى عام 1945 حين تأسست على يد جمعية الطيران العراقية، لتصبح من أقدم شركات الطيران في الشرق الأوسط. بدأت رحلاتها باستخدام طائرات “دي إتش 86″، وانضمت بعد عام واحد إلى الاتحاد الدولي للنقل الجوي، لتوسع وجهاتها إلى لندن وروما وفرانكفورت.

وفي سبعينيات القرن الماضي، بلغت ذروة نشاطها بخطوط مباشرة إلى باريس ومدريد وبكين وبيروت، وبأسطول متنوع من طائرات بوينغ وهوكر. لكن الحروب المتعاقبة والحظر الجوي خلال حربَي الخليج والعراق–إيران أوقف معظم أنشطتها حتى عام 2003، حين أعيد تشغيلها بأسطول مستأجر. ويقول ميثم الصافي، مدير المكتب الإعلامي لوزارة النقل العراقية: “لا يوجد ترتيب محدد ومعلن لشركة الخطوط الجوية العراقية عربيًا أو عالميًا وفقًا لتصنيفات مثل سكاي تراكس، ومع ذلك فهي الناقل الوطني الأكبر”.

عملية اختيار المضيفين تمر بمراحل دقيقة وفق متطلبات سلطة الطيران المدني العراقي. من أبرز الشروط اجتياز الفحص الطبي (الفئة الثانية)، والخلو من مشاكل صحية كضعف النظر أو السمع. يشترط أيضًا الحصول على شهادة الإعدادية كحد أدنى، ثم إتمام دورة تدريبية أساسية تشمل السلامة والتعامل مع الطوارئ. ويضيف ميثم الصافي: “من الشروط الأخرى اجتياز فحص اللغة الإنجليزية بالمستوى المطلوب، والفحص الأمني، وأن يكون المتقدم بلا سجل جنائي. كما يشترط المظهر اللائق من حيث الطول والوزن”.

بعد أشهر، أرسلت إليها صديقة إعلانًا على وسائل التواصل حول شركة توفر مضيفات لشركات الطيران. تقدمت بنين بسيرتها الذاتية دون اهتمام كبير، لكن بعد عامين وردها اتصال لمقابلة في مطار بغداد الدولي. تقول: “شعرت أن شغفي قل عن السابق، لكني ذهبت حتى لا أندم لاحقًا.” وبين عشرات المتقدمات فوجئت بقبولها. عادت إليها روح الحلم، وإن بتردد، لتدخل مرحلة تدريب امتدت ستة أشهر بين بغداد وعمان. تشرح: “في بغداد نتلقى الأساسيات، أما في عمان فنتعلم الجوانب العملية التكميلية”.

التدريب شمل التعرف على أنظمة الطائرات، مهارات التواصل، واحتواء المواقف الصعبة، إضافة إلى تدريبات مكثفة على معدات السلامة والطوارئ. خضع المتدربون لمحاكاة الإخلاء، وتعلموا الإسعافات الأولية والإنعاش القلبي والتعامل مع النزيف أو الإغماء. ويقول الصافي: “عدد المضيفين في شركة الخطوط الجوية العراقية يقارب 220 مضيفًا ومضيفة، وتتعامل الشركة مع شركتين خاصتين لتجهيز طواقمها: الوتين والشاهين”.

في صباح يوم عملها الأول، ارتدت بنين زيها الرسمي وأدركت أن الحلم صار واقعًا. تقول: “كل مرة أرتدي فيها الزي أشعر أنها المرة الأولى. شعور لا يفقد بريقه أبدًا.” كانت أيامها مرهقة بين الجامعة والمطار، لكنها تعلمت من التجربة الكثير: “قبل أن أصبح مضيفة كنت أغضب من أبسط الأشياء. اليوم تعلمت الصبر، وتقبل الاختلاف، وأحببت التعرف على ثقافات جديدة”.

ورغم صعوبة التوفيق بين العمل والدراسة، عادت إلى مقاعد الجامعة بعد عام كامل من الانقطاع للتدريب، معتبرة أن الشهادة مهمة وإن لم تكن طموحها الأساسي. لم تجد تقاربًا مباشرًا بين عملها كمضيفة واختصاصها الأكاديمي (العلاقات العامة)، إلا في جانب واحد فقط: فهم الجمهور وإدارة صورة المؤسسة. وتقول: “الابتسامة واجب أساسي. الراكب قد يكون مرّ بمشاكل كثيرة، ونحن علينا أن نمنحه راحة وطمأنينة”.

ورغم الصورة النمطية المنتشرة بأن عمل المضيفين يقتصر على تقديم الطعام، تؤكد بنين أنها مهنة متكاملة تتطلب مهارات عالية ووعيًا ومسؤولية تمثيل البلد أمام العالم. وتضيف: “أتمنى أن أغيّر شيئًا في عقول الناس وأجعلهم يرون أن هذه المهنة يجب أن يُفتخر بها، لأنها ليست عادية. لذلك قمت أنا وبعض الزملاء بإعداد محتوى توعوي يُسلّط الضوء على أهميتها.”

بهذا صنعت بنين عبد الأمير حكايتها بين مقاعد الدراسة وكابينة الطائرة. رفض وانتظار، ثم تدريب وسفر، حتى وصلت إلى السماء، لتؤكد أن الأحلام ليست مستحيلة، وإنما تحتاج إلى من يؤمن بها حتى النهاية.

أنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج قريب، وهو برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى