بجعتا بغداد تحييان إرث المسارح الأوروبية

بغداد- موج أياد

على خشبة مسرح مضاء بأضواء خافتة، تمضي خطواتهن برشاقة تكاد تلامس الهواء. تتبع الأجساد إيقاع أنغام مدروسة، بينما أقدامهن الرقيقة تنقر الخشبة بخفة وانسجام. هناك تُعيدان إلى الحياة رقصة ضاربة في جذور التاريخ، وُلدت في قصور أوروبا قبل أكثر من خمسة عشر قرنًا، لتعود اليوم في نسخة عراقية خالصة. تجسد لاڤين البجعة البيضاء، رمز النقاء والعطاء، فيما تؤدي أختها يارا دور البجعة السوداء الغامضة، لتصنعا معًا لوحة نابضة بالحياة من “بحيرة البجع”، لا تُؤدى كما على مسارح روسيا فحسب، بل تبعث من جديد على أرض بغداد، بعد غياب عقود طويلة.

كان الباليه حاضرًا في العراق منذ خمسينيات القرن الماضي، مع افتتاح معهد الفنون الجميلة الذي ضم قسمًا للرقص، لكن التدهور الأمني والثقافي بعد 2003 أدى إلى تراجعه واختفائه. واليوم، تتحدى الأختان قيود المجتمع والنظرة النمطية لتبرهنا أن الرقي لا يحتاج إلى حدود.

البداية جاءت من لاڤين، ذات الثمانية عشر عامًا، التي بدأت الباليه في الرابعة من عمرها، مدفوعة بطفولة ملهمة. تقول: “حبيت هذا الفن بسبب فيلم لباربي. چانت ترتدي حذاء الباليه، وبعد أن ارتدته انتقلت لعالم ثاني وعاشت قصة البجعة البيضاء. تأثرت بالحركات الخفيفة وباللياقة اللي شاهدتها بالفيلم، ومن وقتها تعلقت بالباليه. مشاركة أختي يارا نفس الهواية دفعتني أكثر للتمسك بهذا الفن”.

أما يارا، التي تصغرها بعام واحد، فقد بدأت مشوارها في الجمباز قبل أن تتركه إلى الباليه. تقول: “أختي بدت بالباليه قبلي، وأنا كنت بالجمناستيك. لكن من شفتها ترقص وحضرت وياها فيلم باربي، وتأثرت بتحول باربي إلى شخصية ‘أوديت’، حسيت شگد أن الباليه فن راقٍ وهادئ. مو مثل الجمناستيك اللي يكون عنيف وضاغط، أجسامنا مشدودة والموسيقى صاخبة. فحسيت أن الباليه أقرب لشخصيتي”.

العائلة كانت الداعم الأول. تقول يارا: “أهلنا لاحظوا حركاتنا واحنا نرقص بالبيت على موسيقى الباليه، حتى قبل ما نتعلم، مجرد تقليد لحركات الفيلم”. العائلة نفسها ذات جذور فنية: الوالد كان عازف كمان محترف، والجد علي مردان مغنٍ وملحن معروف في كردستان. وحين أدرك الأهل أن هناك شغفًا حقيقيًا، قرروا دعمهما فألحقوهما بـ”مدرسة الموسيقى والباليه” التي تأسست في بغداد عام 1969، وتستقطب الطلاب منذ المرحلة الابتدائية حتى الإعدادية، بمدرسين من مسرح البولشوي الروسي.

هناك التقتا بالأستاذ ميسرة سلام، الذي لا يزال مدربهما منذ أكثر من ثماني سنوات. تقول لاڤين: “أول عرض قدمناه چنه بس احنا الثلاثة: أنا وأختي وهو”. تحت إشرافه قدّمتا عروضًا عدة مثل “الأميرة النائمة” و”جيزيل” و”العوالم الأربعة”، بحضور مئات المتفرجين ومشاركة عشرات الطلاب. ورغم شح المستلزمات، كان الوالدان يحرصان على طلب ملابس وأحذية الباليه من الخارج، حتى لو استغرقت ثلاثة أشهر للوصول.

لكن الطريق لم يكن ممهدًا. واجهت الشقيقتان رفضًا مجتمعيًا قاسيًا، واتهامات بأن الباليه لا يليق بعادات البلاد. تقول يارا: “بالبداية، الناس رفضونا تمامًا، بس إحنا اختارنا نستمر وما نتأثر”. شيئًا فشيئًا بدأ الجمهور يتفاعل مع عروضهما، وبدأت بغداد تستعيد شيئًا من روحها الفنية. كما تقول لاڤين: “المجتمع نسى الفنون. الكل صار يقضي وقته بالمول أو التلفون. إحنا ردنا نرجع الطابع الثقافي ونوصل رسائل عبر عروض حية”.

الحلم كبر وخرج من بغداد إلى دبي، حين تلقت يارا خبر مشاركتها في مسابقة “STS” العالمية عام 2024، وسط فرق من أكثر من خمسين دولة. تدربت لأسبوعين فقط، ورغم التوتر، تماسكت وقدمت رقصة البلانس بثقة. وفي لحظة إعلان النتائج، حصد فريقها المركز الأول في الأداء الجماعي، فيما حصلت هي على المركز الأول في الأداء الفردي.

غير أن الفرح لم يكتمل. بعد أيام من العودة، تلقت يارا خبر وفاة شقيقها الصغير موسى في حادث سير. كان موسى داعمًا أول، لم يفوّت حفلًا، وكان يردد: “لما أكبر أريد أكون راقص باليه”. تقول يارا: “من يومها فقدنا الحماس. تركنا التدريب وانسحبنا من السوشيال ميديا شهور طويلة. بس صوت موسى ظل يقول إنه يريدنا ننجح. فقررنا نكمل… باسمه وبروحه”.

من تلك التجربة، وُلد مشروع جديد: “أكاديمية بغداد للباليه”، التي أسسها الأستاذ ميسرة مع الشقيقتين، لتستقبل أكثر من ثلاثين طالبًا من مختلف الأعمار. هناك يتدرب الأطفال والشباب، بنات وأولاد، ويقدمون عروضًا على المسارح بثقة متزايدة.

لم تكن خطوات لاڤين ويارا مجرد حركات راقصة، بل إعلانًا صغيرًا أن الفن يمكنه أن يعيش في الظلال وينهض من التهميش. تقولان: “رسالتنا لكل بنت وولد: لا تسمحون لكلام الناس يكون قيد يوقفكم عن الحلم. إذا الفن بداخلك، طوّره. لا تسمح لأحد يطفئ شغفك. يومًا ما راح تثبت نفسك داخل بلدك وخارجه”.

وبينما تنطفئ أضواء القاعة وتغادر البجعتان الباب الخشبي البسيط، لا يُغلق يوم تدريبي عادي، بل يُفتح باب جديد لفن ما زال ينهض. في بغداد، حيث تنمو بجعتان… لا على سطح بحيرة، بل على أرض قاومت لتمنحهما مساحة للوقوف.

 

 

 

أنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج قريب، وهو برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى