مع اقتراب مؤشرات الحرارة في بغداد من حاجز الـ50 درجة مئوية، وتلاشي الأمل بنسمة هواء باردة، تتغير خريطة الحياة في العاصمة. تخف حركة الشوارع في ساعات الظهيرة، وتتأخر الزيارات والمواعيد، فيما يبحث السكان عن طرق مختلفة لعبور يوم صيفي طويل، يتداخل فيه التذمر من انقطاع الكهرباء مع قدرة البغداديين على التكيف وصناعة الفكاهة في أكثر الظروف قسوة.
ولا تمثل درجات الحرارة التي تلامس الخمسين حدثاً استثنائياً في الصيف العراقي إذ تشير وزارة البيئة إلى أن الحرارة تصل إلى هذا المستوى خلال عدد من أيام الصيف، في بلد تصنفه الأمم المتحدة ضمن البلدان الخمسة الأكثر تأثراً بالتغير المناخي. وتزداد وطأة الحر مع تراجع ساعات تجهيز الكهرباء وارتفاع الحاجة إلى أجهزة التكييف، وهي معادلة تتكرر سنوياً كلما ارتفعت درجات الحرارة والطلب على الطاقة.
في شوارع الكرادة منتصف النهار، لا صوت يعلو فوق صوت «المولدات»، ولا هواء يعبر إلا وهو مشبع بالحرارة. وجوه أرهقها اللهيب، وأيدٍ تبحث عن أي مساحة ظل، فيما تتحول المظلات وقطع الكرتون والمناديل المبللة إلى وسائل دفاع بسيطة في مواجهة شمس لا تترك للعابرين كثيراً من الخيارات.
تقول أم أحمد (52 عاماً)، وهي تجلس في حافلة نقل عام «كوستر» يحاول سائقها التغلب على الحر برشات ماء بسيطة ومنشفة مبللة: “الحر ببغداد مو بس درجة حرارة، الحر يستهلك طاقتك ونفسيتك. مرات تحس حتى الهوا ينشف الريك، وبدون كهرباء تتضاعف المعاناة.. بس شنو البديل؟ لازم نطلع ونشتغل”.
بالنسبة إلى أم أحمد وآلاف الموظفين وأصحاب المهن، لا يعني التحذير من الخروج وقت الظهيرة كثيراً. فالعمل والمواصلات ومراجعات الدوائر لا تتوقف دائماً عند ارتفاع الحرارة، كما أن السيارة المكيفة ليست خياراً متاحاً للجميع. لذلك، يصبح عبور المدينة جزءاً من المعاناة اليومية، لا مجرد انتقال من مكان إلى آخر.
وسط هذا اللهيب الذي يدفع الناس إلى البحث عن الماء والثلج، تقدم المقاهي الشعبية مفارقتها البغدادية المألوفة: مقاعد يشغلها مواطنون يحتسون “الشاي الخادر” الساخن، حتى في أشد ساعات النهار حرارة.

في أحد مقاهي شارع المتنبي، يجلس أبو علي (45 عاماً) وأمامه استكان الشاي، يبتسم عند سؤاله عن السر ويقول: “الغريب يتعجب، بس إحنا نعرف الشاي يوازن حرارة الجسم! الشاي بالحر يبردك من داخل.. أسلوب حياة وما نتركه لو توصل الحرارة سبعين”.
لا يستند أبو علي في قوله إلى تفسير طبي بقدر ما يصف عادة يومية رافقت أجيالاً من العراقيين. فاستكان الشاي ليس وسيلة مثبتة للتبريد بقدر ما هو طقس يصعب على كثيرين التخلي عنه، ومناسبة للجلوس وتبادل الحديث، حتى حين يبدو كل شيء في المدينة مصمماً لدفع الناس إلى الاحتماء داخل البيوت.

على الجانب الآخر، تزدحم عربات العصائر بالباحثين عن كأس بارد يخفف وطأة الظهيرة، فيتحول العصير والثلج إلى محطة يومية للعابرين، فيما يواصل أصحاب العربات عملهم تحت الشمس، محاطين بصناديق الثلج وقناني الماء والمراوح الصغيرة التي لا تغير كثيراً من حرارة المكان.

ولا تقف طقوس مواجهة الحر عند الشاي والعصائر بل يرش بعض السكان الأرصفة ومداخل البيوت بالماء عصراً، فيما تنتشر مراوح رش الرذاذ أمام المحال، ويحتفظ السائقون بالمناشف المبللة وقناني الماء، وتبقى مشروبات مثل «شربت الزبيب» جزءاً من ذاكرة الصيف في الأسواق والأحياء القديمة.

حين لا تكفي هذه الوسائل، تصبح المسابح واحدة من الوجهات الأكثر حضوراً لدى الشباب والعائلات القادرة على تحمل كلفتها. ولا تتوافر إحصائية حكومية حديثة وشاملة لعدد مسابح بغداد، لكن تقريراً منشوراً عام 2022 قدّر عدد المسابح الحكومية والأهلية في العاصمة بنحو 50 مسبحاً. وفي عام 2024، قال المتحدث باسم أمانة بغداد إن سبعة مسابح تتبع للأمانة وتدار من مستأجرين، وهو رقم لا يشمل المسابح الأهلية والنوادي والفنادق والمدن المائية.
وتختلف المسابح من أحواض شعبية محدودة الخدمات إلى مدن مائية ومنشآت مغلقة تضم مطاعم وألعاباً ومرافق إضافية. وتُظهر الأسعار المعلنة من عدد من مسابح بغداد أن تذكرة الدخول تتراوح غالباً بين خمسة آلاف و15 ألف دينار، بحسب عمر الزائر ويوم الدخول والخدمات المتاحة. وقد يبدو المبلغ محدوداً لشخص واحد، لكنه يتحول إلى كلفة ثقيلة عندما يتعلق بأسرة تضم عدداً من الأطفال، يضاف إليها النقل والطعام والمشروبات.

يقول حيدر حسن (39 عاماً)، وهو أب لثلاثة أطفال: “الأولاد يطلبون المسبح دائماً بالصيف، لكن الذهاب مو بس سعر التذاكر. عندك أجرة الطريق والأكل والمشروبات، ويمكن اليوم كله يكلفنا أكثر من 50 ألف دينار. لذلك نروح مرة أو مرتين بالشهر، مو كل أسبوع”.
أما بالنسبة إلى من لا يستطيع دفع ثمن الدخول، تبقى الخيارات أضيق. يلجأ بعض الأطفال والشباب إلى السباحة في دجلة أو القنوات المائية، على الرغم من تحذيرات الدفاع المدني من التيارات والمناطق غير الآمنة. ويكتفي آخرون بأحواض بلاستيكية صغيرة فوق أسطح البيوت أو في ساحاتها، أو باللعب تحت خراطيم المياه في الأزقة، وهو الفارق بين من يستطيع شراء يوم كامل في مدينة مائية ومن لا يملك سوى ماء الحنفية.
كما لا تتوزع فرصة الوصول إلى المسابح بالتساوي بين الرجال والنساء، إذ يستطيع الشباب عادة الذهاب ضمن مجموعات وفي معظم أيام الأسبوع، بينما تعتمد نساء كثيرات على المسابح المغلقة أو الأيام والساعات المخصصة لهن. وتظهر جداول منشورة لمسـابح في بغداد تخصيص يوم واحد أسبوعياً للنساء في بعض المنشآت، أو ساعات محددة تنتهي في وقت أبكر من مواعيد الرجال، فيما توفر منشآت أخرى يومين أو ثلاثة، بحسب طبيعة المكان.
أما على مواقع التواصل الاجتماعي، فيتحول الصيف إلى مادة يومية للفكاهة السوداء: منشورات عن ذوبان الأسفلت، وصور ساخرة لقلي البيض على الأرصفة، وتعليقات تربط بين انقطاع الكهرباء والحرارة التي لا تنخفض حتى بعد منتصف الليل.
يقول عمر (27 عاماً)، وهو طالب جامعي: “إذا ما نضحك ونتشاقه عالوضع نموت قهر. الضحك بالكروبات وعلى الفيس بوك هو اللي يخفف علينا القهر مال الحر والكهرباء”.
لكن الفكاهة لا تلغي المعاناة ولا تقدم حلاً لها. إنها، مثل استكان الشاي أو القفز في حوض ماء، تمنح البغداديين فسحة قصيرة داخل يوم ثقيل. فالصيف هنا في بغداد ليس مجرد فصل مناخي، بل اختبار سنوي للكهرباء والخدمات ومدى قدرة الأسر على حماية نفسها من الحر.
وبين من يعبر المدينة في “كوستر” بلا تبريد، ومن يدفع ثمن ساعات في مسبح، ومن يكتفي برش الماء أمام منزله، يعيد البغداديون ترتيب حياتهم وفق حركة الشمس وساعات الكهرباء.
وحين تنخفض الحرارة قليلاً في المساء، تستعيد الشوارع ازدحامها، وتخرج العائلات إلى الأسواق والمقاهي، لكن الجدران تبقى محتفظة بحرارة النهار، وتواصل المولدات ضجيجها. تنتهي ساعات السباحة ويذوب الثلج في أكواب العصير، بينما يبقى الصيف نفسه في مكانه، في انتظار يوم جديد تحت حرارة تقترب مرة أخرى من الخمسين.
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



