المنصة- سندس الزبيدي
حين قررت (ز. ن.) الالتحاق بالشرطة، لم تتعامل عائلتها مع الأمر بوصفه وظيفة عادية. أثارت طبيعة العمل الأمني وساعات الدوام الطويلة مخاوف أفرادها، قبل أن يتغير موقفهم تدريجياً ويتحول القلق إلى دعم وفخر.
كانت (ز. ن.) تحلم منذ طفولتها بارتداء الزي الأمني وخدمة المجتمع. وحين تحقق حلمها، وجدت نفسها تؤدي مهام إدارية وأمنية، وتتعامل يومياً مع المراجعين، إلى جانب مشاركتها في بعض الواجبات الميدانية عند الحاجة. لكن دخولها المؤسسة لم يُنهِ التحديات؛ إذ بات عليها التوفيق بين ضغط العمل وحياتها الأسرية، في بيئة ترى أن بعض فرص التدريب والترقية والمناصب القيادية فيها لا تزال تميل لمصلحة الرجال.
تشبه تجربتها تجارب نساء عراقيات اتسع حضورهن في المؤسسات الأمنية خلال السنوات الأخيرة. وفي محافظة البصرة، تعمل المنتسبات في مواقع متعددة تابعة لوزارة الداخلية والأجهزة الأمنية، بدءاً من إنجاز معاملات المواطنين والتعامل مع القضايا الأسرية، وصولاً إلى التحقيق وأداء بعض المهام الميدانية. غير أن زيادة أعدادهن لا تعني بالضرورة حصولهن على فرص متكافئة أو بيئة عمل تساعدهن على الاستمرار والتقدم.
يرى ضابط برتبة مقدم في وزارة الداخلية، طلب عدم ذكر اسمه، أن وجود المرأة داخل المؤسسة الأمنية أصبح ضرورة تفرضها طبيعة العمل الأمني الحديث، الذي لم يعد مقتصراً على المهام التقليدية، بل امتد إلى تقديم الخدمات المجتمعية والتعامل مع قضايا النساء والأسر.
ويقول إن المنتسبات يؤدين مهام متعددة، من بينها التحقيق في بعض القضايا الأسرية، ولا سيما حالات العنف الأسري، موضحاً أن وجودهن يساعد في الحصول على معلومات قد يصعب على الضحايا الإفصاح عنها أمام الرجال، بسبب الخصوصية أو الحرج.

يمتد دور النساء، بحسب الضابط، إلى تقديم الخدمات للمواطنين، ومنها إنجاز معاملات البطاقات الشخصية والجوازات والإقامة، فضلاً عن العمل في مجالات الرعاية الصحية وتلبية احتياجات النساء داخل المؤسسة الأمنية وخارجها.
ويؤكد أن وزارة الداخلية تتجه إلى تعزيز مشاركة المرأة من خلال التدريب والدورات التخصصية وإشراكها في مفاصل مختلفة، مشيراً إلى وجود خطط لزيادة أعداد النساء والاستفادة من قدراتهن في المواقع التي تتطلب حضور العنصر النسوي.
لكن رواية (ز. ن.) تقدم صورة أكثر تعقيداً. فعلى الرغم من التحسن الذي لمسته في واقع النساء داخل المؤسسة الأمنية، تقول إن فرص التدريب والترقية لا تزال، في بعض الحالات، تميل لمصلحة الرجال، ولا سيما في الدورات التخصصية والمناصب القيادية.
“تعزيز حضور المرأة لا يتحقق بمجرد زيادة أعداد المنتسبات، بل يتطلب الاستثمار في قدراتهن وإتاحة المجال أمامهن للوصول إلى مواقع أكثر تأثيراً”. المقدم بسمة الزبيدي
ولا تقتصر الصعوبات، وفق تجربتها، على فرص التقدم الوظيفي، بل تشمل ضغط العمل وطول ساعات الدوام وصعوبة التوفيق بين الوظيفة والحياة الأسرية. وهي تحديات تصبح أكثر وضوحاً لدى المتزوجات والأمهات، اللواتي يتحملن في الغالب الجزء الأكبر من مسؤوليات المنزل إلى جانب عملهن الأمني.
في المقابل، تقدم المنتسبة في وزارة الداخلية زينب عبد الرضا رؤية أكثر إيجابية. فهي ترى أن المؤسسة الأمنية قطعت شوطاً مهماً في تمكين المرأة، وأن فرصاً عديدة أصبحت متاحة أمام المنتسبات، فيما تعتمد الاستفادة منها، بحسب رأيها، على الاجتهاد وتطوير المهارات وإثبات الكفاءة.
وتؤكد عبد الرضا أن نظرة المجتمع إلى المرأة العاملة في السلك الأمني تغيرت بصورة واضحة، ولا سيما بعد مشاركتها في مهام ميدانية وإنسانية أثبتت من خلالها قدرتها على تحمل المسؤولية.
غير أن الناشطة في مجال حقوق الإنسان نوال يوسف ترى أن التحديات التي تواجه الشابات الراغبات في الالتحاق بالسلك الأمني لا تتعلق بطبيعة الوظيفة وحدها، بل تمتد إلى بيئة العمل والأسرة والمجتمع.
تقول يوسف إن المناوبات وساعات العمل الطويلة والاستعداد الدائم للطوارئ تجعل تحقيق التوازن بين العمل والمسؤوليات الأسرية أمراً صعباً، خصوصاً بالنسبة إلى المنتسبات المتزوجات والأمهات.
وتشير إلى عدم توفر مرافق مخصصة للنساء في بعض المراكز، فضلاً عن تعرض بعض المنتسبات للتهميش أو التشكيك في قدراتهن، وعدم تكافؤ الفرص في بعض مجالات التدريب والترقية والوصول إلى المناصب القيادية.
وترى أن بعض اختبارات اللياقة البدنية تحتاج إلى مراعاة الفروق الجسدية بين النساء والرجال، من دون أن يعني ذلك خفض معايير الكفاءة المطلوبة لأداء العمل الأمني.
لا تبدأ العوائق دائماً من داخل المؤسسة. فبحسب يوسف، لا تزال بعض الأسر تنظر بتحفظ إلى التحاق بناتها بالعمل الأمني، بسبب المخاوف المرتبطة بطبيعة المهنة وساعات الدوام، أو بتأثير العادات والتقاليد التي تحصر النساء في أدوار ووظائف معينة.
لكنها تؤكد أن هذه النظرة بدأت تتغير تدريجياً مع ازدياد الوعي بدور المرأة، وأن وجودها داخل المؤسسات الأمنية بات أكثر قبولاً بوصفها شريكاً في خدمة المجتمع وحفظ أمنه.
وتدعو يوسف إلى اعتماد سياسات واضحة تضمن تكافؤ الفرص في التدريب والترقية، وتشجع النساء على الوصول إلى المناصب القيادية، إلى جانب إطلاق برامج توعية مجتمعية تدعم مشاركة المرأة في المؤسسات الأمنية.

تمثل المقدم بسمة الزبيدي نموذجاً لانتقال المرأة من الانتساب إلى موقع قيادي داخل المؤسسة. وتقول إن دخولها السلك الأمني جاء بدافع الشعور بالمسؤولية والرغبة في تحقيق العدالة وخدمة المجتمع، معتبرة العمل الأمني رسالة قبل أن يكون وظيفة.
لم تكن بدايات الزبيدي سهلة داخل بيئة يغلب عليها الطابع الذكوري، لكنها تقول إنها تمكنت من تجاوز التحديات من خلال العمل الجاد والالتزام والتدريب المستمر.
وترى أن المرأة العراقية أثبتت قدرتها على أداء واجبات أمنية مختلفة، وأن تعزيز حضورها لا يتحقق بمجرد زيادة أعداد المنتسبات، بل يتطلب الاستثمار في قدراتهن وتطوير مهاراتهن وإتاحة المجال أمامهن للوصول إلى مواقع أكثر تأثيراً.
تشير أرقام متداولة إلى أن الحضور النسوي الأكبر يتركز في وزارة الداخلية، مع تقديرات تتراوح بين 11 و12 ألف امرأة من الضابطات والمنتسبات والموظفات المدنيات العاملات بصفة شرطية، فيما تقدر بيانات أخرى إجمالي النساء العاملات في القطاعات الأمنية والعسكرية المختلفة بنحو 12 إلى 13 ألف امرأة.
لكن غياب قاعدة بيانات رسمية منشورة ومحدّثة يجعل من الصعب تحديد العدد الدقيق للنساء العاملات في المؤسسات الأمنية العراقية، أو معرفة توزيعهن بحسب الرتب والتخصصات والمواقع القيادية. كما يحول دون قياس ما إذا كانت زيادة الأعداد رافقها تقدم مماثل في فرص التدريب والترقية والقيادة.
تكشف شهادات المنتسبات والناشطات عن مسارين متوازيين: توسع واضح في حضور النساء داخل المؤسسات الأمنية، واستمرار تحديات ترتبط ببيئة العمل والأعباء الأسرية وفرص التدريب والترقية والوصول إلى مواقع القرار.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه وزارة الداخلية أهمية وجود النساء في التعامل مع قضايا العنف الأسري وتقديم الخدمات للمواطنات، ترى منتسبات وناشطات أن زيادة الأعداد وحدها لا تكفي ما لم ترافقها بيئة عمل داعمة، ومرافق تستجيب لاحتياجات النساء، ومعايير واضحة تضمن تكافؤ الفرص.
بالنسبة إلى (ز. ن.)، كان ارتداء الزي الأمني تحقيقاً لحلم طفولتها، لكنه لم يكن نهاية الطريق. فنجاح النساء داخل السلك الأمني لا يقاس بعدد اللواتي يدخلن المؤسسة فحسب، بل بقدرتهن على البقاء والتطور والوصول إلى مواقع القيادة، من دون أن يتحول كونهن نساء إلى حاجز إضافي أمام أداء عملهن.
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



