على الرغم من مساعيه اليومية لإحكام سياج بستان النخيل الذي يملكه، وجد أبو أكرم (64 عاماً) نفسه عاجزاً عن مواجهة الخنازير التي تدخل يومياً إلى بستانه وتأكل مزروعاته. ورغم وضعه شباكاً شائكة لمنعها، تتمكن قطعان الخنازير من الحفر تحتها والدخول إلى البستان، والعبث به وأكل كل ما تصادفه هناك.
لم تكن الخنازير بهذه الشراسة في سبعينيات القرن الماضي، كما يقول أبو أكرم، ولم تكن تقترب من مناطق سكن سكان الأهوار أو تهاجم المحاصيل الزراعية والبساتين. فهي تعيش عادةً في الأماكن التي تكثر فيها المستنقعات الضحلة، كما أن أعدادها لم تكن بالقدر الذي هي عليه اليوم.
لا يصفها أبو أكرم بأنها مجرد قطعان، بل «عصابات مارقة» تنتشر مع غروب الشمس في البساتين والمزارع، وتبدأ عبثها اليومي بتدمير كل ما تجده أمامها. فهي تأكل ما تصادفه من جيف ونباتات ومحاصيل، من دون رادع. وحتى وسائل الردع التي يستخدمها السكان لم توقفها، بل ازدادت في ممارسة سلوكها العدواني. ورغم أنها تسهم في تنظيف البيئة من القاذورات والجيف، فإنها تخرب المحاصيل الزراعية في طريقها أيضاً.
أعداد الخنازير وطرق صيدها
يؤكد مدير زراعة قضاء الجبايش، أياد صبري، أنه لا توجد حتى الآن إحصائية لأعداد الخنازير في مناطق الأهوار، لكنها موجودة بكثرة. ويشير إلى وجود نوعين منها: خنازير رمادية اللون، وأخرى سوداء أقل عدداً، بحسب المتابعة.
وتشير المعلومات المتاحة إلى أن الخنازير الرمادية تكون عادةً خطرة على الإنسان والمزروعات، وتتميز بأحجامها الكبيرة، أما الخنازير السوداء فقد تكون لها ردود فعل خطرة في حال تعرضها للأذى.
لا يوجد صيد ممنهج لهذه الحيوانات في مناطق الأهوار، كما يقول صبري، لكن قد يلجأ السكان إلى صيدها للتخلص منها بسبب الأضرار التي تلحقها بالمحاصيل الزراعية، ولا سيما محاصيل الأعلاف والخضروات. وحتى فسائل النخيل تتعرض للضرر، كما تعرضت بساتين عدد من الفلاحين لهجمات الخنازير أيضاً.
يقدر أبو أحمد (54 عاماً)، وهو فلاح في أهوار ميسان، في حديثه لـ«المنصة»، أعداد الخنازير في الأهوار بالآلاف، مشيراً إلى أنها ازدادت في الآونة الأخيرة بسبب الجفاف. ويوضح أن هناك ثلاث طرق تقريباً لصيدها، تُستخدم جميعها لمنعها من الوصول إلى المحاصيل الزراعية، وهي الشباك الشائكة المكهربة والبنادق والأفخاخ، لكن هذه الوسائل كلها لم توقف هجماتها.
يتحدث أبو أحمد بحسرة عن مهاجمة الخنازير، العام الماضي، محصولي الشلب والحنطة، وتسببها بخسائر كبيرة للفلاحين، ويقول: «كانت تهاجم في أكثر من قطيع، ويتراوح عدد أفراد كل قطيع بين تسعة وعشرة خنازير، وتقود كل مجموعة منها ذكور بالغة. ورغم محاولاتنا إبعادها، فإنها حيوانات ذكية تنتظر الفرصة المناسبة لمهاجمة المزروعات».
ويتابع: «حتى النخيل لا تهاجمه مباشرةً، بل تنتظر نضوج الرطب، ثم تتسلق النخل وتأكل المحصول بالكامل».

الخنزير البري، كما يسمى في هذه البيئة، لا يبادر عادةً إلى إيذاء الإنسان، بحسب الناشط البيئي ورئيس منظمة الجبايش للسياحة البيئية، رعد الأسدي، لكنه قد يكون عدوانياً وعنيفاً في سلوكه. ورغم أثره الإيجابي في التوازن البيئي في الأهوار، فإن ازدياد أعداده بات يشكل خطراً على السكان.
ويؤكد الأسدي، خلال حديثه لـ«المنصة»، عدم وجود إحصائية أو تقدير دقيق لأعداد الخنازير في هذه المناطق، لكن يمكن القول إن عددها يصل إلى الآلاف. ورغم أنه حيوان خجول، يظهر في مكان ويختفي في آخر، وينشط عادةً ليلاً، فإن ارتفاع أعداده جعله يظهر اليوم في أماكن متعددة، لذلك يتعرض للدهس باستمرار، ويتسبب أحياناً بحوادث مرورية للسكان.
ويقول الأسدي إن كل الإحصائيات المتاحة اليوم تقديرية، مضيفاً: «في بعض الأحيان، تُجرى مسوح لوجود الكائنات الحية ضمن مساحات محددة، وليس في الأهوار كلها. والخنازير من الثدييات، في حين أن معظم ما ندرسه أو نتعلمه يتعلق عادةً بالطيور. وهناك خبراء كثر تخصصوا في الطيور، على عكس خبراء الثدييات الذين ما زال عددهم محدوداً جداً. لم ننتبه إلى أهمية الثدييات، وانصب الاهتمام بصورة أساسية على كلب الماء ذي الفراء الناعم».
ودعا الأسدي إلى إطلاق حملات لتنظيم أعداد الخنازير، موضحاً أنه لا يوجد وازع ديني يحول دون قتلها، لكن لدى الناس وعياً بأهميتها بوصفها حيوانات مفيدة للبيئة والطبيعة. ومع ذلك، فإن تكاثرها بهذه الأعداد الكبيرة، من دون رادع أو تنظيم، ستكون له انعكاسات سلبية على البيئة.
حضور بيئي وتاريخي
يتسبب الصيد العشوائي للخنازير أحياناً بتأثيرات سلبية في الحيوانات الأخرى، مثل الجواميس التي تصاب بالذعر، والطيور المهاجرة التي تقطع مسافات طويلة عبر العالم للوصول إلى هذه المسطحات المائية، ثم تهرب من الأماكن التي تشهد عمليات صيد واسعة، كما يوضح الأسدي.
ولا توجد إحصائية محددة لأعداد الصيادين. ففي ذي قار، هناك ما يقارب ثلاثة آلاف صياد، لكن لا تتوافر في ميسان حتى إحصائية تقريبية لأعدادهم، لأن أغلبهم لا يحملون إجازة لممارسة المهنة. ويتوزع هؤلاء بين صيد الطيور والأسماك والحيوانات الأخرى، ومنها الخنازير.
وهناك عدد قليل من الصيادين يصيدون الخنازير ويبيعونها للعاملين في الشركات الصينية لغرض أكلها، ولا تتجاوز قيمة الخنزير الواحد 50 ألف دينار عراقي، لكن عمليات البيع هذه توقفت منذ مدة. ولا يلتزم بعض الصيادين بالقوانين التي تحظر استخدام المواد السامة أو الشباك الكهربائية في الصيد، والتي تتسبب عند استخدامها بقتل كائنات حية أخرى.

يُعد الخنزير واحداً من أقدم الحيوانات الموجودة في قلب الأهوار العراقية، وجزءاً من تاريخها وبيئتها. ولا توجد تواريخ مثبتة تحدد زمن ظهوره فيها، أو ما إذا كان موجوداً منذ نشأتها أم انتقل إليها من بيئات قريبة، لكن السكان يؤكدون أن هذا الحيوان ليس غريباً عن المنطقة، وأن وجوده فيها يعود إلى آلاف السنين.
وتوثق النصوص المسمارية هذا الحضور القديم. فبحسب الآثاري عامر عبد الرزاق، كان العراقيون القدماء أول من دجن الخنزير في جنوب العراق ومناطق الأهوار، وخصصوا لتربيته مكاناً يسمى «الزريبة».
ويوضح عبد الرزاق، في حديثه لـ«المنصة»، أن الخنازير كانت تمثل لدى البابليين والآشوريين رمزاً لعداء الآلهة، وكانت أعداد كبيرة منها تُذبح مع بداية السنة الجديدة، ولا سيما في اليوم الخامس من احتفالات رأس السنة، لأنها كانت ترمز إلى خروج الإله مردوخ من تحت الأرض.
وقبل سنوات، أعلن عبد الرزاق أنه عثر على دمى أثرية تجسد الخنزير في أحد المواقع الأثرية، وسلّمها إلى إحدى البعثات الأجنبية التي كانت تعمل في الموقع حينها، مشيراً إلى وجود عشرات الألواح والرقم الطينية التي تتحدث عن حضور الخنزير في الحضارة السومرية.
زرائب لتربية الخنازير
لم يقتصر حضور الخنزير على النصوص واللقى الأثرية، بل استمر جزءاً من ثقافة سكان الأهوار وذاكرتهم. وقبل أكثر من مائة عام، كان السكان يصنعون دمى تجسده، وتمكن متحف الأهوار في قضاء الجبايش من المحافظة على عدد منها وعرضها أمام الزائرين.
بعد عام 2003، اتخذ هذا الحضور شكلاً مختلفاً، حين افتتح أحد السكان زريبة كبيرة لتربية الخنازير في منطقة الأهوار شرق الناصرية، وبدأ يتاجر بها. واستثمر في تربيتها وبيعها بعشرات الدولارات للقوات الأمريكية، وظل يزودها بها حتى انسحابها من العراق.
أما اليوم، فيبرز الخنزير بوصفه جزءاً من النظام الإيكولوجي للأهوار، إلى جانب الجاموس الذي يمثل إحدى العلامات البارزة في المنطقة. وتشكل الأهوار نحو 17 في المئة من مساحة العراق، فيما تغطي المياه نحو 3.8 ملايين دونم من الأراضي العراقية، منها 2.3 مليون دونم تغطيها مياه الأهوار، بحسب تقارير حكومية. وتحتضن هذه البيئة تنوعاً أحيائياً نادراً، كما توفر موئلاً ملائماً للطيور المهاجرة في أثناء عبورها.
لكن الأضواء التي سُلطت طوال سنوات على الطيور والجاموس لم تتناول بالقدر نفسه أهمية الخنزير في هذه البيئة. وفي الوقت الذي يرتبط فيه الجاموس بحياة السكان اجتماعياً واقتصادياً، يسود نفور من الخنزير لأسباب تتعلق بحرمة أكله.
ويؤكد الخبير في المجال البيئي ورئيس منظمة طبيعة العراق، جاسم الأسدي، أن الخنازير ليست طارئة على بيئة الأهوار، بل هي جزء من تنوعها الأحيائي ونظامها الإيكولوجي. وعاشت إلى جانب الجواميس من دون مشكلات، كما أنها لا تشكل خطراً على الإنسان ما لم تتعرض للأذى.
ويقول الأسدي لـ«المنصة»: «السكان المحليون هنا لا يأكلون الخنازير، لكنهم يسمحون بصيد هذا الحيوان من أجل اللهو. وهو حيوان مهم في الأهوار العراقية، ويشكل وجوده جزءاً أساسياً من النظام الإيكولوجي، فيما يؤدي غيابه إلى إلحاق ضرر كبير بالسلسلة الغذائية والتنوع البيئي في المنطقة».
معادلة صعبة
هكذا يجد سكان الأهوار أنفسهم أمام معادلة صعبة: حماية محاصيلهم من حيوان ازدادت أعداده وأضراره، من دون استئصاله أو الإخلال بالنظام البيئي الذي ظل جزءاً منه طوال قرون.
هذا العام، حاول أبو أكرم وعدد من فلاحي أهوار ميسان تشديد وسائل حماية بساتين النخيل والمزروعات الأخرى. ومع اقتراب نضوج الرطب، الذي يبدأ عادةً مطلع آب/أغسطس وتترقبه الخنازير كل عام، أوصل الفلاحون الكهرباء إلى الشباك الشائكة المحيطة ببساتينهم، في محاولة لمنعها من الدخول.
لكن هذه الوسيلة نفسها تختصر المأزق الذي يواجهه سكان الأهوار: فالخنزير الذي يحاول أبو أكرم إبعاده عن محصوله ليس مجرد حيوان يهاجم البساتين، بل جزء قديم من بيئة لا يمكن حمايتها باستئصال أحد مكوناتها. وبين حماية الرطب والمحافظة على توازن الأهوار، لا يزال الفلاحون ينتظرون حلاً يتجاوز الشباك المكهربة والبنادق والأفخاخ.



