جرعة أمل.. حكايات نساء قاومن السرطان، بالأمل والحب

يُسجَّل سنويًا في العراق آلاف الإصابات بسرطان الثدي، ومعه تبدأ رحلة قاسية مع العلاج الجسدي والنفسي والاجتماعي. من هنا وُلدت مبادرة “جرعة أمل” التي تمنح النساء المصابات ما هو أثمن من الدواء: الأمل، والإيمان، والقوة على الاستمرار.
المنصة- نغم مكي
في إحدى غرف العلاج داخل مستشفى البصرة للأورام، تجلس إيناس جودة البدران، بجسد مفعم بالثقة، تمسك بيد إحدى النساء وتبتسم لوجهها المغطى بكمامة زرقاء.
كانت المريضة تتلقى جرعتها المقررة، لكن إيناس تسميها “كولاجين مليان حب”. بعدها تخرج لمواساة أخريات، تبتسم وتبادل النكات معهن، يلمع في عينيها بريق لا يخبو وكأنها تزرع الأمل في المكان. من هناك، في عمّان قبل سنوات، وُلدت فكرة “جرعة أمل”: رحلة متنقلة لدعم النساء المصابات بسرطان الثدي، تمنحهن جرعات من الإيمان والقوة للاستمرار.

في أحد بيوت البصرة، ذرفت شروق حسين – المعروفة بأم طيبة – دموعها حين أعاد المرض إليها ذكريات الفقد. في عامها السابع والأربعين، وبينما كانت حياتها مستقرة مع زوجها وأبنائها، جاء التشخيص القاسي: سرطان الثدي. انهارت نفسيًا، خاصة بعدما فقدت شقيقتها سابقًا بالمرض نفسه.
في العراق، يُسجَّل سنويًا آلاف الإصابات بسرطان الثدي، ويُعدّ الأكثر شيوعًا بين النساء، إذ يشكّل ما يقارب ثلث الحالات المسجّلة من السرطان لديهن. كثير من هذه الإصابات تُكتشف في مراحل متأخرة، ما يجعل العلاج أكثر صعوبة ويضاعف المعاناة النفسية والاجتماعية للمريضات.

أصعب لحظات شروق كانت حين أمسكت ماكينة الحلاقة أمام المرآة، وطأطأت رأسها المثقل بالأفكار والهواجس، وبدأت ابنتها الكبرى بإزالة ما تبقى من شعرها. فجأة دخلت حفيدتها وهي تصرخ: «لا ماما، لا… ليش هيچ تسوين؟». كان مشهدًا هز كيانها وأعاد إليها كل الذكريات المؤلمة. بعد ذلك تعرّفت شروق على إيناس عبر الحملة، فكانت لها سندًا نفسيًا وعلاجيًا. تعلمت أن الجمال في الروح، وأن فقدان الشعر ليس نهاية الأنوثة. وكما تقول البدران: “أكثر شيء تخاف عليه المرأة مو على صحتها… تخاف تفقد شعرها”.
رغم الجهود الرسمية، يواجه النظام الصحي في العراق تحديات كبيرة بسبب ضعف البنية التحتية وصعوبة وصول النساء في المحافظات البعيدة إلى مراكز العلاج. فمراكز الأورام في البصرة أو بغداد تستقبل يوميًا عشرات المريضات من مختلف المحافظات، ما يخلق ضغطًا هائلًا على الخدمات الطبية ويجعل الدعم الأهلي والمجتمعي أكثر إلحاحًا.
من داخل إحدى غرف العمل في مركز الأورام بالبصرة، تروي تغريد فائق (47 عامًا) قصتها. كانت موظفة بين المرضى، تظن أن وجودها بينهم يجعلها أكثر وعيًا بخطورته. لكنها حين ذهبت صدفة للفحص مع إحدى صديقاتها، اكتشفت إصابتها. صُدمت، انعزلت عن الجميع، أغلقت هاتفها حتى عن أسرتها، وشعرت أن حياتها انتهت قبل أوانها. لكن لقاءها بإيناس، التي كانت تضحك وسط جلسة علاج، غيّر كل شيء. انضمت إلى “جرعة أمل”، وعادت لتمسك بالحياة من جديد لأجل أبنائها وزوجها وصديقاتها، وصارت تردد: “الأمل أقوى من الخوف”.

في مدينة العمارة، وتحديدًا ناحية الميمونة، تقطع ابتسام محمد (55 عامًا) مسافات طويلة بين غرف العلاج الكيميائي والإشعاعي. كانت تخاف أكثر على ابنها الصغير من أن يكبر محرومًا من حنانها، أكثر مما تخاف على نفسها. والدتها عانت من المرض نفسه، ما ضاعف إحساسها باليأس. لكنها بعد دخولها إلى «جرعة أمل» وجدت نساء مثلها، يعانين ويتحدين، ويستطعن الضحك رغم الألم. شيئًا فشيئًا استعادت طاقتها، وصارت تزرع الأمل في قلب كل امرأة مصابة، وتقدم لها “جرعة أمل” جديدة.

منذ عام 2009 أطلق العراق البرنامج الوطني لأبحاث سرطان الثدي بالتعاون مع جهات دولية، لكن المبادرات الأهلية تبقى الأقدر على الوصول مباشرة إلى المريضات. هنا برزت حملات مثل «جرعة أمل» التي لا تقتصر على الدعم النفسي، بل تساعد أيضًا في تأمين الفحوصات، المواصلات، وبعض الاحتياجات التي لا يغطيها النظام الصحي.
الحملة التي بدأت في العام 2019 كمجموعة على تطبيق الواتس آب، ثم استؤنفت بعد فترة توقف في العام 2022، “وُلدت كأمل خرج من عمق الألم” بحسب تعبير إيناس. جهد يومي تقوده هذه السيدة، بدعم من والدتها وأهلها.
كان التحدي الأكبر هو صعوبة تأمين وسائل النقل للناجيات في المناطق البعيدة وتوفير الدعم المادي للفحوصات والأدوية غير المغطاة، إضافة إلى الحاجة لتوسيع الفريق التطوعي للوصول إلى أكبر عدد من المريضات. ومع ذلك تقول إيناس: “الإيمان بالله، والحب بيننا، هو الوقود الذي يدفعنا للاستمرار”. دعم والدتها كان جناحًا غطّى الندوب، وصنع لها أجنحة جديدة كي تواصل المسير.

في أحد اللقاءات المسائية، امتلأت القاعة بضحكات أربعين ناجية اجتمعن حول امرأة أنهت للتو جرعتها الأخيرة من العلاج الكيميائي. أحاطت بها إيناس وشروق وتغريد وابتسام، في جو مفعم بالألفة، المقاعد مكتظة بالناجيات، والهواء مشبع بروائح القهوة والشاي والأكلات البسيطة. ضحكات النساء امتزجت مع حكايات الانتصار على الألم، وكل واحدة منهن تحمل رسالة لكل امرأة مصابة: “لا تفقدي الأمل… أنتِ أقوى مما تتخيلين”.

جلست النساء الأربع جنبًا إلى جنب، يبتسمن، وعيونهن تحمل وعدًا صامتًا بأن «جرعة أمل» ستبقى ما دامت هناك امرأة بحاجة إلى ابتسامة تنقذ حياتها.
أنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج قريب، وهو برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)



