إصرار في مواجهة القيود: علي فاضل يحوّل الإعاقة إلى مجد رياضي

بغداد- مصطفى جمال مراد
في صباح يوم عادي، وبين زحام موقف السفر في مدينة الحلة، تتقاطع مئات العربات وآلاف الوجوه في طريقها إلى وجهات شتى، لكن من بين هذا الضجيج يمر كرسي متحرك يقوده شاب تحدّى حدود الجسد بثبات وإصرار. إنه علي فاضل، البالغ من العمر 32 عامًا، بطل العراق في رياضة بارا التجديف، القادم من الحلة والعائد يوميًا إلى بغداد حيث تحتضنه مدينة الصدر ليواصل رحلة طموح لا يعرف المستحيل.
لم يبدأ شغف علي بالرياضة حديثًا، فقد عرف كمال الأجسام منذ مراهقته، ثم اتجه عام 2017 إلى ألعاب القوى، حيث حقق إنجازات متتالية قبل أن يقرر الانتقال إلى رياضة بارا التجديف، الهواية الأقرب إلى قلبه. يقول علي: “حصلت على ما أريد من أرقام في ألعاب القوى، فقد أحرزت المركز الأول على العراق لسنوات متتالية، لكن كان لدي شغف قديم بالتجديف، فأردت أن أخوض التجربة”.

رياضة البارا أولمبيك، التي وُجدت لتمنح الرياضيين ذوي الإعاقات الحركية أو البصرية أو الذهنية فرصة المنافسة على أعلى المستويات، صارت ميدانه الجديد. وبعد أن تأسس اتحاد بارا التجديف في العراق قبل نحو عام ونصف، وجد علي طريقه إليه، ليحقق بسرعة المركز الخامس عالميًا في بطولة “الأوبن بارا”، عبر جهاز “الأورغوميتر” الذي يحاكي حركة التجديف ويرتبط بالحاسوب لتسجيل الأداء. ومع ذلك، يؤكد مدربه حمزة حسين أن هذه النتيجة لا تعكس إمكانياته الحقيقية، موضحًا أن “علي شارك مع لاعبين من مستويات إعاقة مختلفة، وبعضهم كانت إعاقته أقل بكثير، ولو خضع لتصنيف دولي رسمي لكان حصد المركز الأول أو الثاني”.

التصنيف الدولي أمر جوهري في هذه الرياضة، إذ يُوزع اللاعبون وفق ثلاث فئات تضمن عدالة المنافسة. علي، المولود بعجز وراثي في قدميه، صُنّف محليًا ضمن “البارا اثنان”، وهي الفئة المخصصة للرياضيين القادرين على استخدام الذراعين والجذع دون الساقين. يقول علي: “لم تقف الإعاقة عائقًا أمامي يومًا، كنت محظوظًا بدعم أخي الكبير منذ صغري، ولم أهتم بالكلام السلبي لأنني مؤمن أن الإعاقة الحقيقية في العقل لا في الجسد”.
يبلغ عدد لاعبي بارا التجديف في العراق عشرة فقط، أربعة منهم من الحلة، بينهم علي. ورغم مشاركتهم في بطولات عالمية وتصفيات آسيوية، إلا أنهم لم يُثبتوا بعد في التشكيلة النهائية للمنتخب، إذ يوضح رئيس الاتحاد الدكتور جبار جثير: “اعتمدنا استمارة متابعة دورية يرفعها المدربون كل شهرين لتقييم التطور، ومن يثبت جدارته يُثبت في التشكيلة”. ويضيف أن لاعبي الحلة أظهروا نتائج مميزة تؤهلهم لمنافسات دولية.

يبدأ يوم علي عند السادسة صباحًا، حيث يتوجه مع رفاقه الثلاثة إلى محطة السفر ومنها إلى بغداد للتدريب في بحيرة صغيرة بمساحة 200 متر في مدينة الصدر. ثلاث مرات أسبوعيًا يقطع الطريق، وبين الحلة وبغداد تتكرر أصوات المجاديف والتعب الممزوج بالأمل. يقول علي: “في الأيام التي لا أذهب فيها إلى بغداد أتدرب على رفع الأثقال، وأتمرن على جهاز الأورغوميتر”.
لكن قلة الموارد تشكل عائقًا حقيقيًا، إذ يحصل كل لاعب على بدل نقل لا يتجاوز 300 ألف دينار شهريًا، مبلغ لا يكفي لتغطية التنقل المستمر. يوضح علي: “نشارك معًا في أجرة السيارة لتخفيف الكلفة، لكن أحيانًا نضطر للذهاب بشكل منفرد فتزداد المصاريف”.

منذ تأسيس الاتحاد عام 2023 لم يحصل على أي مخصصات من الموازنة العامة بسبب تأخر رفع الطلبات، فاقتصر الدعم على منحة قيمتها 14 مليون دينار من اللجنة البارالمبية. ويشير الدكتور جثير إلى أن وزارة الشباب والرياضة منحتهم بحيرة للتدريب، لكنها تحتاج إلى إعادة تأهيل بكلفة تصل إلى 85 مليون دينار، وهو مبلغ غير متوفر.
ورغم هذه التحديات، وجد الاتحاد حلولًا بديلة، إذ تعاقد مع شركة إيرانية لصناعة زوارق تدريبية بأسعار تقل كثيرًا عن كلفة الزوارق العالمية، حيث صُنعت 8 زوارق كاملة بمجاديفها بأقل من 5000 دولار للزورق الواحد، بينما يبلغ سعر الزورق الواحد عالميًا بين 5000 و6000 يورو.
وبرغم غياب التمويل وصعوبة المشاركة الخارجية، لم يفقد علي ورفاقه عزيمتهم، بل يرون في التحديات دافعًا إضافيًا. يقول علي وهو يختتم حديثه: “بإذن الله سأحقق أرقامًا قياسية وأكون في صدارة الأولمبياد القادمة”.



