قصص من الشارع

مقهى اسمه “المعقّدين”.. سبعون عاماً من الحكايات

12/09/2025

مهدي غريب – بغداد

في قلب شارع السعدون ببغداد، يقف مقهى قديم يحمل اسمًا غريبًا ومميزًا: مقهى المعقدين. تأسس قبل أكثر من سبعين عامًا، وكان منذ البداية مكانًا للكتّاب والمهندسين والرجال الذين يميلون للنقاش والتحليل العميق. الاسم الغريب للمقهى جاء من ملامح رواده الأوائل، الذين عرفوا بجدّيتهم وتعقيدهم الفكري، قليل المزاح، يميلون إلى النقاش والسؤال المستمر، حتى صار لقبهم “المعقدين” مرادفًا للمقهى نفسه.

المقهى يحتفظ حتى اليوم بتفاصيله القديمة: كراسي خشبية متينة، طاولات حديدية ثقيلة، وجدران تحمل آثار الزمن، وبعضها تصبغات من القهوة والشاي التي مرّت عليها أجيال. في الزوايا، ترى رفوف كتب قديمة وأباريق نحاسية تتلألأ من كثرة الاستعمال، بينما يجلس الزوار لساعات طويلة يقرأون، يتناقشون أو يلعبون الدومينو والطاولي.

يقول صادق أبو جعفر – صاحب المقهى: “في البداية، الناس استغربوا من الاسم، بس ترى هو إجه من واقع رواد المقهى القدامى. كانوا دائمًا جادين وما يحبون المزاح، فالناس صاروا يگولون هذا مقهى المعقدين. والدي اشترى المقهى بالتسعينات، وأنا أفتحه كل يوم حتى يبقى حي، ونحافظ على تراث المكان”.

قبل عشرين سنة، كان المقهى معروفًا بالهدوء والنقاشات الطويلة، حيث يجلس رواده لساعات يطرحون الأفكار ويتبادلون النقاشات الجادة حول السياسة والفكر والحياة اليومية. لكن مع مرور الزمن، تغيّر شكل المقهى تدريجيًا، وصارت الطاولات مسرحًا لألعاب الورق والدومينو والطاولي. الضحكات العالية اليوم أكثر حضورًا من النقاشات الجادة، والمقهى أصبح مساحة للوناسة واللقاءات اليومية أكثر من كونه ملتقى للفكر.

اليوم يدخل المقهى أشخاص عاديون من مختلف الأعمار. بعضهم يمر سريعًا لاحتساء الشاي، وآخرون يقضون ساعات مع أصدقائهم، بينما يحافظ البعض على عاداته القديمة في الجلوس بمفرده أو قراءة كتابه المفضل.

يقول علي محمد مصطفى – زبون قديم: “المقهى صار جزءًا من يومي المعتاد. كل يوم أجي، أشرب جاي وأشوف الربع مع بعضنا. حتى لو ما نحچي هواية، بس وجودنا سوية كافي. تحس بروح بغداد القديمة، وهذا شي ما تلگاه بأي مكان ثاني”.

أول ما يلفت الداخل إلى المقهى هو أثاثه البسيط والمتين: كراسي خشبية قديمة، طاولات حديدية ثقيلة، وجدران تحمل آثار الزمن، حتى الإبريق النحاسي على النار يذكّر بزمن آخر. الهواء مشبع برائحة الخشب القديم، ورائحة الشاي والدومينو، والضحكات المتقطعة التي تملأ المكان ببهجة بسيطة.

الرواد القدامى تركوا بصمتهم على كل زاوية، كل كرسي وكل طاولة، مما جعل الاسم الغريب يحمل معنى أعمق من كونه مجرد لقب. المقهى لم يغيّر لافتته ولا أجواءه، وكأن الزمن قرر أن يتوقف عند عتبة المكان ليحافظ على أصالته.

يقول خالد حمدان – زبون متكرر: “أحب أجي هنا بعد الدوام. نلعب دومنة ونتونس شوية. الجو مختلف عن كل المقاهي الجديدة، هنا تحس الناس قريبة من بعض، صارت مثل العائلة. الواحد يرتاح من ضغط الشغل والمدينة”.

اليوم، المقهى يعج بمزيج من رواد جدد وقدامى. الجيل الجديد يضيف حيوية وضحكًا مرتفعًا، بينما رواد الأمس يجلسون في زواياهم، يراقبون المشهد، يحافظون على طقوسهم القديمة، ويشعرون بالفخر لأن المكان ما زال حيًا رغم تغير بغداد.

سليم عبد الله – زبون يومي – يقول: “أجي من الصبح أو العصر، أحيانًا أكعد لوحدي وأشرب الشاي، وأحيانًا نلعب الطاولي والورق. تحس كل يوم هو نفس الجو لكن مختلف بنفس الوقت، الناس متعودين على بعض والضحكة صارت عادة”.

بين حديث سليم، تسمع أصوات الضحك، سقوط أحجار الدومينو على الطاولات، وعبق الشاي المخلوط بالذكرى. هذا كله يجعل المقهى يعيش لحظة حية بين الماضي والحاضر.

وبالعودة إلى علي محمد مصطفى مرة ثانية، يضيف قائلاً: “طبعًا كل واحد إله طبعه. نلعب، نحچي، نضحك، وأحيانًا بس نجلس بدون كلام. المقهى صار مثل بيت ثاني، وهاي أهميته بالنسبة إلي”.

مقهى المعقدين، الذي بدأ كملتقى للكتّاب والمهندسين الجادين ورواد النقاشات العميقة، تحوّل مع الزمن إلى مساحة شعبية للوناسة، الألعاب واللقاءات اليومية. ورغم هذا التحول، حافظ على تفاصيله القديمة، من الكراسي الخشبية والطاولات الثقيلة إلى رائحة الشاي والعبق التاريخي للمكان.

اليوم، يظل المقهى ملتقى للأجيال، يجمع بين الماضي والحاضر، بين النقاش الهادئ والضحكات العالية، بين الرواد القدامى والجدد. هو أكثر من مجرد مكان لشرب الشاي؛ هو ذاكرة حيّة لبغداد، يروي قصص المدينة وأهلها، ويثبت أن الأصالة لا تموت مهما تغيّرت الظروف والزمن.

يختم صادق أبو جعفر حديثه بالقول: “الناس تجي هنا لأنها تعرف المكان ما تغير. هذا سر المعقدين. تبقى الذكرى والريحة والشاي، والباقي كله تفاصيل”.

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali