استوديو تصوير من تسعة أمتار مربعة يفتح بوابة إلى الماضي

أفاطم سمير – بغداد
بين جدران استوديو تصوير صغير تتدلى أزياء تراثية بألوان متنوعة، ما إن يقع نظرك عليها حتى يتملكك شعور بالحنين إلى الأصالة. النقوش والزخارف العربية التي تملأ المكان كفيلة بأن تنقل الزائر من الحاضر إلى أجواء الماضي.
على جانبي قاعة التصوير تصطف الأزياء العربية بمختلف أشكالها وأحجامها، من الهاشمي والعباءة وصولاً إلى الزي البدوي، مرتبة بعناية لتلائم الجنسين ومختلف الأعمار. أما الجدران، فقد زُيّنت بالأقمشة ذات اللون الأحمر القاتم وبنقوش تذكر بالدواوين العربية التقليدية، وفي الوسط تستقر كنبة صغيرة أمامها طاولة تعلوها دلة قهوة كجزء من الديكور.
تفاصيل المكان تكشف بوضوح حرص المصور الفوتوغرافي على إبراز روح التراث، بدءاً من الألوان والأزياء، وصولاً إلى وجود الهاون القديم الذي يعزز أصالة المشهد.

عمر هذا الاستوديو عشرون عاماً، أنشأه المصور الفوتوغرافي “صاحب” بعد عام 2003 تقريباً داخل ألعاب الكرخ قرب منطقة السيدية عندما قرر ألا يكون مجرد مصور فحسب، وأن لا تكون الصورة مجرد لحظة جامدة من الزمن، فقرر أن يسهم في إحياء التراث واضافة معنى وقيمة مختلفين للصورة.
يبلغ “صاحب” من العمر خمسة وثلاثين عاماً. لم يكن التصوير بالنسبة له هواية حديثة العهد أو محط صدفة، بل كانت البذرة التي زرعها والده في داخله منذ الصغر إلى أن أصبحت مهنته الوحيدة، هكذا انضم للعمل في هذا الاستوديو بعد تأسيسه بأربع أو خمس سنوات تقريباً.
تقوم فكرة الاستوديو الصغير الذي تبلغ مساحته ما يقرب تسعة أمتار مربعة على إتاحة الفرصة للزبون بارتداء زي عربي تقليدي من اختياره وبمساعدة المصور، ثم تصويره لقطات متعددة وطباعتها وتسليمها ورقياً للزبون بعد تظهيرها في غرفة صغيرة موجودة بجانب هذا الاستوديو.

يحرص “صاحب” على التواصل الودود بينه وبين الزبائن المقبلين عليه من أجل التصوير مستخدماً كلمات التهليل والترحيب، ولعل ما يميز هذا العمل هو قصص زُوّاره.
أم علي امرأة تركمانية من أهالي كركوك جاءت مُقبلة لتصوير طفلها البالغ من العمر ثلاث سنوات، واستقبلها “صاحب” بجملة: “أهلاً بكم، هذا الشيخ يريد صورة تذكارية؟” قاصداً بها الطفل. تقول لنا الزائرة: “كلما جئت زيارة إلى بيت خالي قصدت هذا الاستوديو لنأخذ صورة لعلي”؟ هذه المرأة التركمانية تحتفظ بصور طفلها منذ أن كان عمره شهوراً حتى سنه هذا، فهي تكرر زيارتها لهذا الاستوديو كلما جاءت زيارة إلى بيت خالها في بغداد.
بالنسبة لأم علي، لم تعد الصورة مجرد ذكرى عابرة، بل سجلاً بصرياً ينمو مع طفلها عاماً بعد عام، تقلب الصور القديمة وتبتسم قائلة: “كل صورة تحكي مرحلة من عمره، وكأن الاستوديو أصبح دفتراً مفتوحاً لعمر ابني”. أما “صاحب” فيعتبر زبائن مثلها، شهادة حية على أن المكان ما زال يؤدي رسالته، وأن الناس يجدون فيه ما لا تمنحهم إياه عدسات الهواتف.

يقول “صاحب” إن هذا ليس مجرد مكان للتصوير بل نافذة يعيش خلالها الناس لحظات من السعادة لا تُنسى، ثم يروي لنا موقفاً عاشه بنفسه: “هناك سائح صيني كان مهندساً جاء إلى بغداد من أجل العمل وزارنا في الاستديو.. وقفت عيناه تتأمل الأزياء التراثية المعلقة وسرعان ما بدأ يسأل عن الفكرة، وعندما شرحتها لها ابتسم المهندس الصيني وقال إنه يرغب وبشدة أن يجرب هذا، فاختار أن يرتدي الزي العربي، العباءة مع الشماغ، وبعد تصويره أمسك بالصورة النهائية مبتسماً وقال: لقطة رائعة لن أنساها أبداً.. كانت تلك من المواقف التي تبعث على السرور والفخر لأجل أن أستمر في هذه المهنة الرائعة”.
ما يُسمَّى بالشماغ أو الغترة ذو اللونين الأسود والأبيض، هو غطاء رأس تراثي يوضع فوقه العقال، يعتمره أهل جنوب ووسط العراق تحديداً. يقول بعض الباحثين أن أصل الشماغ أكادي، استناداً إلى تماثيل الملك الأكادي (كوديا) في متحف اللوفر بباريس، وهو أول من لبسه كناية عن الرفعة والسموّ والشجاعة كعصابة للرأس، وليس بشكل مسترسل على الكتفين كما هو في وقتنا الحاضر.
ويعد الشماغ الزيّ الرسمي لعشائر جنوب ووسط العراق، ولا يبدو شيخ العشيرة حاضراً مطلقاً من دونه إذ يُعتبر ذلك عيباً، كما لا يظهر من دون العقال.
ويُرجح بعض الباحثين أن الخطّين المتوازيين في الشماغ يرمزان إلى نهرَي دجلة والفرات، أمّا العُقد السود عليه، فترمز إلى شبكة الصيد. وبناءً على نظرية “سوسيولوجيا الفن”، يمكن اعتماد ارتباط خطيّ الشماغ بالنهرين كتفسير معقول، بينما يرجّح البعض العُقد عليه باعتبارها تعويذة.
أما في مدينة بغداد، وبعض مناطق الموصل، فتُلبس هناك “السدارة”، وهي قبّعة تُشبه شكل القارب التقليدي، قابلة للطيّ، ارتبطت بالزيّ العسكري واستعملها ملك العراق فيصل الأوّل رغبة منه بتأسيس زيّ عراقي أسوة بالدول المجاورة، ومن الممكن العثور على عدد منها في استديو “صاحب” بمقاسات مختلفة.
“صاحب” يجد في هذه المهنة ثمرةً لجهده وجهد والده الذي علمه التصوير إلى أن صار اليوم عضواً في مؤسسة “المرسى” الثقافية التي تعنى بتدريب الراغبين على مختلف الفنون، ومن بينها التصوير الفوتوغرافي.
روى لنا “صاحب” موقفاً أثّر فيه عندما كان صغيراً حين ذهب مع والده إلى أحد المهرجانات في المسرح الوطني، وكان هناك عدد من المصورين يمسكون بكاميراتهم يوثقون لحظات المهرجان. “سرعان ما أعطاني والدي هاتفه وقال لي اذهب وصوّر، شعرت بالخجل والارتباك، كيف لطفل ذو ثلاثة عشر عاماً أن يقف يصوّر ويفعل كما يفعل المصورون هؤلاء؟ فقمت وأنا أمسك الهاتف ويداي ترتعشان خوفاً، لكن هذا الموقف كان كافياً لكسر حاجز الخوف والتردد في داخلي”.
ويكمل: “من بعدها قام والدي بشراء كاميرا لي نوع B80 وهي من الأنواع القديمة، ثم طورت موهبتي شيئاً فشيئاً، ودرست معهد الفنون الجميلة، فكنت أدرس وأعمل بأعمال مختلفة، رسم على جدران المدارس والدهان وكذلك التصوير في هذا الاستوديو العريق، فإنه كان ولا يزال البداية الفعلية لعملي كمصور أجني منه الرزق”.
حسن شاب عشريني وطالب في كلية الفنون الجميلة، هو أحد المستجدين في عالم التصوير، انضم حديثاً كمتدرب في هذا الاستوديو لكي يتعلم كيفية التقاط اللحظات السعيدة للآخرين على حد وصفه.
كان حسن واقفاً قرب باب الاستوديو يراقب الزبائن الذين يصلون واحداً تلو الآخر، كان يبتسم وهو يقول: “أحياناً يتوقف الناس للحظة عند مدخل الاستوديو، يطلّون على الأزياء التراثية المعلقة، وكأنهم يعودون بذاكرتهم إلى زمن قديم، أنا أساعدهم على اختيار الملابس المناسبة، وأرشد الأطفال إلى كيفية الوقوف أمام الكاميرا، وأحياناً أروي لهم قصة صغيرة عن البساط القديم أو عن فارس من الماضي”.
ويضيف المتدرّب الشاب: “أتذكر طفلاً خجولاً جاء قبل أيام، وقفت معه خارج الاستوديو لأهدئه وأجعله يشعر بالثقة، وعندما ابتسم أخيراً، شعرت أن عملي يتعدى مجرد مساعدة، إنه خلق ذكريات حقيقية للناس قبل أن تدخل الكاميرا”.
يعمل حسن حالياً على مراقبة “صاحب” والنظر إلى كيفية عمله، لكنه يطمح إلى إمساك الكاميرا وصنع ذكريات للناس مع ذلك الزي.
وبينما يزور الاستوديو زوار من بلدان مختلفة مثل السائح الصيني، تقول أم علي بابتسامة: “يعجبني أن الناس من كل مكان يأتون لتجربة هذا المكان، كل واحد منهم يرى التراث بطريقة مختلفة، أما أنا فأستمر بزيارتي لتوثيق مراحل عمر طفلي وعندما يكبر يعتز بتراث بلده”.
اما “صاحب” فعلق على كلامها قائلاً: “هذا الاستوديو ليس مجرد مكان للتصوير، بل نافذة صغيرة تعكس التراث العربي وتعيد للزوار لمحة من الأصالة وتساعد الناس على التمسك بثقافتهم”، ثم قام بتسليم الصورة إلى أم علي التي أمسكت بها وهي تبتسم قائلة: “لنا عودة لتصوير علي في عيد ميلاده القادم”.



