في صناديق الاقتراع.. النساء التشرينيّات يواجهن امتحان الثقة الأصعب في ذي قار

ذي قار- منتظر الخرسان

مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي لعام 2025 يبدو أن الساحة السياسية العراقية بشكل عام وذي قار على وجه الخصوص مقبلة على مشهد مختلف تماما عن انتخابات 2021 التي شكّلت حينها منعطفا بارزا في التاريخ الانتخابي للبلاد.

ففي تلك الدورة برز ما عُرف بـ”العقاب الانتخابي” الذي دفع شرائح واسعة من الناخبين إلى دعم مرشحين منبثقين عن حراك تشرين الاحتجاجي، بينهم نساء لم يكن لهن حضور سياسي سابق فحققن أرقاما لافتة وغير مسبوقة. لكن المشهد اليوم يبدو أكثر ضبابية، خصوصا بالنسبة للمرشحات.

محافظة ذي قار التي كانت قلب الحراك الشعبي التشريني وأيقونة ساحاته عبر ساحة الحبوبي في الناصرية شكّلت خلال السنوات الماضية مصدر قلق دائم لحكومات بغداد. غير أن المعادلة تغيّرت هذه المرة مع تراجع عدد المرشحات المنتميات إلى الحراك، وانحسار حضورهن في قوائم الترشيح.

ويعزو مراقبون ذلك إلى مخاوف حقيقية من مقاطعة قد تأتي من داخل القواعد الشعبية نفسها، تلك القواعد التي منحت ثقتها في انتخابات 2021 ثم شعرت بخيبة أمل لاحقة.

ذي قار.. ساحة الاحتجاجات الأكثر سخونة
منذ 2019، تحولت ساحة الحبوبي في قلب الناصرية إلى رمز لانتفاضة تشرين، حيث سقط عشرات القتلى ومئات الجرحى برصاص القوات الأمنية والميليشيات. المدينة دفعت أثمانًا باهظة، ما منحها موقعًا خاصًا في ذاكرة الحراك. هذا التاريخ منح المرشحات التشرينيّات في 2021 شرعية مضاعفة عند جمهور الناصرية، لكنه أيضًا جعل أي إخفاق سياسي لاحق مضاعفًا في وقعه على الشارع، الذي يشعر اليوم بخيبة أمل أعمق من أي محافظة أخرى.

تجربة حركة امتداد التي انبثقت من الحراك الشعبي التشريني كانت العنوان الأبرز في انتخابات 2021 إذ حصدت أصواتا عالية في ذي قار وسجلت في عموم البلاد 9 مقاعد، 5 منها في ذي قار، وارتفع عدد مقاعد امتداد بعد استقالة الكتلة الصدرية الى 15 مقعدا.

من بين المرشحات اللواتي فزن في ذي قار برزت نيسان زاير التي نالت وحدها أكثر من 26 ألف صوت في سابقة أربكت الأحزاب التقليدية ورسّخت لحظة فارقة في الوعي الانتخابي. غير أن تلك اللحظة لم تُترجم إلى إنجازات ملموسة على مستوى الخدمات أو الاستجابة لمطالب الشارع، فضلا عن انخراط بعض الفائزين لاحقا في كتل سياسية تقليدية. هذا الواقع أدى إلى فتور الثقة الشعبية وتراجع الزخم الذي كان قائما.

خلفية: “العقاب الانتخابي” في 2021
شهدت انتخابات 2021 واحدة من أعلى نسب المقاطعة في تاريخ العراق (بلغت المشاركة أقل من 41%)، ما أفرز ظاهرة انتخابية غير مألوفة تمثلت بـ”العقاب الانتخابي”. أي أن الناخبين الذين توجهوا للصناديق صوتوا بدافع معاقبة الأحزاب التقليدية أكثر من اقتناعهم ببدائل واضحة. هذا ما سمح لوجوه جديدة، أغلبها من الحراك، بالفوز بمقاعد نيابية، بينها نساء لم يسبق لهن خوض أي تجربة سياسية.

النتائج التي حصلت عليها النساء في انتخابات 2021 كان أفضل بكثير مقارنة بالانتخابات السابقة، مع ارتفاع التمثيل النيابي للنساء إلى نحو 29% من المقاعد (87 مقعدا من 329)، وهو رقم يفوق نسبة الكوتا البالغة 25%. وقد أشادت بعثة الأمم المتحدة (يونامي) بهذا الإنجاز غير المسبوق، مشيرةً إلى أن 57 امرأة فزنَ اعتمادا على أصواتهنّ دون الاتكال على نظام الكوتا، بالرغم من العقبات كالصورة النمطية الجندريّة والتحديات الأمنية وضعف خبرة بعض المرشحات الجديدات.

ويعتمد العراق منذ عام 2005 نظام الكوتا لضمان تمثيل نسائي لا يقل عن 25% في البرلمان. لكن انتخابات 2021 كانت أول دورة تُسجّل فيها النساء حضورًا فاق الكوتا، إذ حصلن على نحو 29% من المقاعد (87 مقعدًا من أصل 329)، بينها 57 مقعدًا لم تُحسم بالكوتا بل بأصوات الناخبين المباشرة. لكن هذا الارتفاع لم يُترجم سياسيًا إلى نفوذ حقيقي أو تشريعات تعكس قوة هذا التمثيل.

مخاوف الحاضر.. أصوات أقل وتوقعات متواضعة

المرشحة سهاد الطائي عن كتلة “البديل” المنبثقة من حراك تشرين الشعبي لخصت الفارق بين دورتَي 2021 و2025 بالقول إن اندفاع الناخبين في الانتخابات السابقة ارتبط بزخم التظاهرات ورغبتهم في معاقبة الأحزاب التقليدية ما جعل كتلة امتداد تمثل الخيار الأمثل. أما اليوم فالأجواء مختلفة، والتجربة السابقة تركت أثرها إذ لم تعد التوقعات بارتفاع الأصوات أو تكرار النتائج السابقة قائمة.

وأشارت الطائي، بحسب حديثها للمنصة، إلى أن النساء المترشحات اللواتي شاركن في الحراك الشعبي تعرضن في الوقت الحالي لمغريات كثيرة من جهات سياسية “حتى الآن منها عروض ومبالغ مالية ونفوذ وغيرها، إلا أننا لدينا مبدأ ونبقى عليه”. لذا فالمواجهة صعبة في الوقت الحالي.

وفي مكتب متواضع تزين جدرانه صورة لابنها الشهيد مجتبى حسين أحد ضحايا حراك تشرين، جلست المرشحة نهلة الغزي تتحدث بصوت يختلط فيه الحزن بالإصرار. على منضدتها لافتة صغيرة كتب عليها شعار المتظاهرين: “الخائفون لا يصنعون الحرية”، تلك العبارة التي تلخص بالنسبة لها معنى المشاركة السياسية بعد سنوات من الدماء والتضحيات.

من الآمال الكبيرة إلى خيبة الشارع

الغزي ترى أن وضع المرشحات اليوم يختلف جذريا عمّا كان عليه في انتخابات 2021. فبينما شهدت الدورة السابقة اندفاعا واسعا من الناخبين الذين منحوا الثقة لمرشحات خرجن من رحم ساحات الاحتجاج، فإن التجربة التي عاشها الشارع مع بعض الحركات السياسية التي كانت تمثل الحراك الاحتجاجي لم تحقق ما كان مأمولا منها، وهو ما ولّد ردة فعل قوية انعكست على شكل إحباط عام وفقدان للثقة.

وتضيف أن الأصوات الكبيرة التي حصلت عليها بعض المرشحات في السابق “لن تتكرر هذه المرة”، لأن المزاج الشعبي تبدّل لدى الناخب الذي اندفع بالأمس بدافع الأمل والمعاقبة السياسية، أما اليوم فهو أمام صناديق الاقتراع مثقلا بخيبة التجربة.

ومن وجهة نظر الغزي، فإن الكثير ممن يدّعين الترشيح عن الحراك الشعبي لم يكن لهن وجود واضح وبشكل مستمر في ساحات الاعتصام، وربما غاب حضورهن السياسي بدافع الخوف. أما هي، وكما تقول، “إنني استمرت وعلى مدار خمس سنوات لم أفارق الحراك والتظاهرات”، معتبرة أن هذا الارتباط العميق بالحراك يمنحها شرعية لا يمكن تجاهلها.

حديث الغزي يسلط الضوء على معضلة أعمق تتجاوز حدود ترشيحها الفردي، فهي تعكس فجوة الثقة بين الشارع وقواه السياسية الجديدة. فإذا كان الحراك الشعبي قد فتح الباب أمام وجوه نسائية غير تقليدية في 2021، فإن انتخابات 2025 تجري تحت وطأة تجربة أثبتت أن “الحلم” أصعب من أن يتحقق بسرعة. وهنا تتجسد صورة أم فقدت ابنها لكنها لا تزال تحاول تحويل الخسارة الشخصية إلى موقف سياسي، في محاولة لاستعادة ثقة جمهور محبط.

غياب الخبرة السياسية أربك المرشحات التشرينيّات

ومع قرب الانتخابات النيابية، خرجت نيسان زاير النائبة التي صعدت عبر كتلة امتداد بتصريح لافت كشفت فيه تفاصيل تجربتها داخل البرلمان وداخل الحركة. أوضحت أنها دخلت البرلمان كمرشحة مستقلة، لكنها اكتشفت أن العمل النيابي يتطلب تكتلات وجماعات، لأن النائب الفرد لا يستطيع أن يقدّم مشروع قانون أو يستجوب أو يمرّر شيئًا بمفرده.

وقالت: “أنا لم أكن في تشرين كناشطة. أنا أم ورعاية كنت أم أذهب لأطمئن على أبنائي في الساحة لا غير ذلك”. لكن شباب الحراك رأوا فيها شخصية جديرة بالثقة وطلبوا منها أن تمثلهم. لافتة إلى أن معرفتها بحركة امتداد لم تبدأ إلا يوم تسجيلها في المفوضية، وبعدها دخلت الانتخابات، وأنها وجدت امتداد لا يمتلك قرارا سياسيا واضحا ولا خطة استراتيجية، مؤكدة أن الأمور كانت تُدار بعشوائية، بلا مكتب سياسي ولا متبنيات واضحة.

وتابعت زاير بأنها تعرضت في الفترة السابقة إلى استهداف وتهديد وتفجير وحرق مكتبها، بل وصل الأمر إلى أفراد عائلتها. ورغم أنها كانت تطالب بحقوق المتظاهرين باستمرار، إلا أن ذلك لم يكن بالآلية التي كانوا يريدونها، ما أدى إلى توترات بينها وبين بعض شباب تشرين.

العقاب الانتخابي كان استثناءً لا يتكرر

في خضم الجدل الدائر حول تراجع أعداد المرشحات المنتميات إلى الحراك الشعبي، برزت رؤية أمين عام البيت الوطني حسين الغرابي الذي يقود أحد الأحزاب السياسية المتشكلة من رحم الاحتجاجات. الحزب لم يشارك في الانتخابات البرلمانية السابقة، إلا أنه دخل اليوم ضمن تحالف البديل، مبررا عدم مشاركتهم السابقة في انتخابات مجلس النواب لوجود حاجة إلى دراسة الظروف المحيطة واستيعاب التحديات قبل خوض غمار المنافسة.

الغرابي يرى أن الارتباك الذي أصاب بعض المترشحات التشرينيّات وحتى المترشحين من الرجال يعود بالدرجة الأساس إلى غياب التخصص السياسي والخبرة التنظيمية. فالكثير منهن وجدْن أنفسهن فجأة في قلب المشهد الانتخابي، ما أدى إلى تخبط في الأداء، فضلا عن تعرض بعضهن إلى إغراءات وضغوط سياسية دفعت بهن إلى الانتقال نحو الأحزاب التقليدية. هذه التحولات، بحسب الغرابي، كانت كفيلة بإثارة غضب جمهور تشرين الذي شعر بأنه خُذل، فهاجم ممثليه بشدة.

ويضيف أن المرشحات والقوى المنبثقة من الحراك الشعبي لم يمتلكن الأدوات الكافية لإقناع الشارع بأن العملية السياسية عملية تراكمية وليست إنجازا لحظيا. فالنتائج لا يمكن أن تتحقق في ليلة وضحاها، بل تحتاج إلى دورة انتخابية كاملة كي تثمر. لكن صعوبة تمرير هذه الفكرة إلى جمهور محتج اعتاد الوعود السريعة جعل كثيرين ممن صعدوا على موجة تشرين في موقف حرج، دفع بعضهم إلى الانسحاب أو الالتحاق بجهات سياسية أخرى.

يرى أستاذ العلوم السياسية نجم الغزي أن ما شهده العراق في انتخابات 2021 كان نتاجا مباشرا لـ”الزخم التشريني” القائم على رفض القوى السياسية التقليدية، وهو ما أسميته بـ”العقاب الانتخابي”. هذا العقاب مكّن عددا من المرشحات من اجتياز العتبة الانتخابية، مستفيدين من تركّز جمهور تشرين في بعض المناطق الساخنة.

لكن الغزي يلفت إلى أن هذا الزخم لم يستمر طويلا. فمع توالي الدورات الانتخابية، تراجعت فاعلية التشرينيين في المشهد، وبات حضورهم السياسي أقل بكثير مما كان عليه في 2021. والأكثر وضوحا هو غياب نموذج نسوي قادر على تثبيت حضوره خارج إطار تلك اللحظة الانتخابية الاستثنائية.

ويشير إلى أن المرأة في هذا السياق تواجه تحديات مضاعفة: “فالمرأة تخشى أكثر وتخاف أكثر، والاختيار بالأساس هم يقومون بجلب النساء القادرات عليهن”. فضلا عن أن كثيرا من القوى الناشئة تلجأ إلى ترشيح نساء يخضعن لسلطتها بدل الدفع بقيادات نسوية مستقلة وفاعلة، وهو ما يفسر، من وجهة نظره، ضعف بروز وجوه نسائية جادة من رحم الحراك، مقارنة بما كان يُتوقع في أعقاب تشرين.

المرأة التشرينية.. حضور باهت في المشهد السياسي الحالي

ما بين زخم تشرين في 2019 ونتائج انتخابات 2021 التي حملت معها ما عُرف بـ”العقاب الانتخابي”، وما بين أجواء الإحباط والتراجع في انتخابات 2025، يتضح أن النساء التشرينيّات يقفن اليوم أمام واقع أكثر صعوبة وتعقيدا. فالثقة الشعبية التي منحت لبعض المرشحات أرقاما غير مسبوقة قبل أربع سنوات لم تعد قائمة بالزخم ذاته، بعدما اصطدمت التجربة الأولى بجملة من الإخفاقات: من غياب الخبرة السياسية والتنظيمية، إلى الانقسامات الداخلية، وصولا إلى انتقال بعض المرشحين والمرشحات إلى أحزاب تقليدية. وهو ما ولّد شعورا عاما بـ”الخيانة السياسية” لدى الجمهور.

المشهد في ذي قار، أيقونة تشرين، يعكس هذه التحولات بوضوح. فالمحافظة التي منحت أصواتا هائلة لمرشحات، تعيش اليوم حالة فتور وريبة، جعلت كثيرا من المرشحات يترددن في خوض السباق أو يواجهن صعوبة في استعادة ذات القواعد الشعبية. شهادات مثل سهاد الطائي ونهلة الغزي تكشف عن حجم المخاوف: الأولى ترى أن الإغراءات والضغوط باتت جزءا من اللعبة السياسية، والثانية تحاول ربط شرعيتها باستمرارية حضورها في الحراك رغم فقدان ابنها، لكنها تدرك أن الأرقام السابقة لن تتكرر.

فالانتخابات ستجري في ظل مخاوف حقيقية من انحسار حضور نساء تشرين وفقدانهن القدرة على الحصول على أرقام انتخابية كبيرة. فبين جمهور محبط يبحث عن بدائل أكثر واقعية، وأحزاب تقليدية ما تزال تمتلك أدواتها، يقف حضور النساء التشرينيّات اليوم على المحك، مهددا بأن يتحول من علامة فارقة في 2021 إلى مجرد ذكرى سياسية في 2025.

أنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج قريب، وهو برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى