من الفيزياء إلى العمل التطوعي: زينب السلطاني تصنع “بصمة نقاء” في البصرة

البصرة- نغم مكي

في قضاء أبو الخصيب، أقصى جنوب البصرة، عُرفت زينب السلطاني في البداية كخريجة فيزياء تبحث عن عمل يناسب شهادتها. لكنها اليوم تحمل هوية مختلفة تماماً: قائدة فريق تطوعي يغيّر حياة الناس من حولها.

عند طاولة صغيرة في شارع الفراهيدي، وبين كتب وملازم مجانية، ترتسم على وجهها ابتسامة هادئة تشي برضا داخلي عميق عن الرسالة التي تحملها، وكأنها علامة فارقة لمسار اختار أن يبدأ من العلم وينتهي بخدمة المجتمع.

“كنت أشعر بالإحباط في البداية، لكنني أدركت أن هناك طرقاً أخرى لأترك أثراً في المجتمع”، تقول زينب وهي تتصفح إحدى الشهادات التكريمية الموضوعة أمامها على المكتب، وخلفها صور للعمل في الميدان لفريق “بصمة نقاء”. وتكمل بابتسامة خفيفة: “الفيزياء علمتني أن لكل فعل رد فعل، وأردت أن يكون فعلي إيجابياً”.

بدأت رحلة زينب مع العمل التطوعي عام 2020، عندما انضمت إلى دورة تدريبية نظمتها منظمة الهجرة الدولية في قاعة منتدى الشباب والرياضة في أبو الخصيب، كان محورها مشروع عن البيئة وحملات التشجير وتنظيف المدينة. وهناك التقت بثلاثين شاباً وشابة يتقاسمون معها الحلم ذاته.

“زينب كانت مميزة منذ اللحظة الأولى”، يقول زين العابدين مسلم عبدالمحسن (25 عاماً)، أحد أعضاء الفريق. “كان لديها هدوء قائد وحماس متطوع في الوقت نفسه، وعندما اقترحنا تشكيل فريق تطوعي لم نتردد في انتخابها قائدة لنا”.

ولد فريق “بصمة نقاء التطوعي” في يونيو 2020، واختاروا الفراشة رمزاً لهم. “الفراشة تطير بهدوء ولا تؤذي أحداً، لكنها تنشر الجمال أينما حلت”، تشرح زينب الفلسفة وراء الاختيار، مشيرة إلى أن الغاية تطوير المجتمع بالدرجة الرئيسية، وأن للمرأة دوراً فاعلاً ورسالة هادفة في أبو الخصيب.

انطلق الفريق بسبعة أعضاء، واليوم يضم ثلاثين عضواً، بينهم ستة وعشرون شاباً وأربع فتيات، معظمهم من فئة الشباب، أغلبهم خريجون عاطلون عن العمل أو موظفون برواتب متواضعة. خلال خمس سنوات، استطاع الفريق مساعدة عشرات العائلات المتعففة، وتوزيع الكتب واللوازم الدراسية مجاناً للطلبة، وإقامة دورات تدريبية لتعليم الحاسوب وبرامجه، ودروس تقوية للطلاب، إلى جانب حملات تشجير وتوزيع بروشورات توعية بيئية.

وما يميز فريق بصمة نقاء التزامه بالسرية الكاملة، كما تقول زينب: “الفريق يساعد ويمد يد العون لمن هم بحاجة، لغاية إنسانية لا للترويج والإعلان. فحفظ كرامة الفرد أهم من التقاط الصور والترند”. جهود الفريق قائمة على التمويل الذاتي من أعضائه.

تصمت زينب لوهلة وتتابع: “لكن الطريق لم يكن سهلاً ولا خالياً من التحديات. في البداية كان البعض ينظر إلينا بريبة”، تتذكر الشابة التي واجه فريقها في مجتمع محافظ تمييزاً بين الجنسين وصعوبات للاستمرارية. “لكننا استطعنا الصمود عندما أثبتنا جدارتنا وكفاءتنا، وكسرنا حاجز التراجع والاستسلام”.

العمل التطوعي في العراق غالباً ما ينطلق من مبادرات شبابية فردية، بعيداً عن الدعم المؤسسي، وهو ما يجعل تجربة “بصمة نقاء” استثنائية في قدرتها على الاستمرار خمس سنوات بجهود ذاتية، رغم التحديات المجتمعية والاقتصادية.

لم تقتصر إنجازات الفريق على أرض الميدان، فقد حظي مؤخراً بالدكتوراه الفخرية، وتوجت زينب بمنحها ميدالية “فارسة القوى”. هذه التكريمات عززت روح الإصرار والفخر، تتويجاً لخمس سنوات من العمل المتواصل، تُوجت بحصول الفريق على المركز الأول في البصرة، إلى جانب اعتمادات دولية ومحلية من سفراء ونقابات مدربين وأكاديمية “باث”، فضلاً عن دعم المؤسسات الحكومية وغير الحكومية.

تتحدث زينب ببهجة ممزوجة بالأمل: “فريقنا سعيد بما يقدمه. اليوم أكثر من شخص ممن استفادوا من دعمنا انضموا إلى الفريق كمتطوعين. عندما يتحول من ساعدته إلى من يساعد الآخرين، وتجد أن بعضهم حصل على وظائف في القطاع الخاص، عندها تدرك أنك حققت التغيير الحقيقي”.

تكشف زينب عن خطط الفريق المستقبلية، مشيرة إلى مشروع بيئي واسع يشمل حملات تشجير داخل الجامعات والمؤسسات الحكومية، وورش عن البيئة والمناخ، إلى جانب إقامة دورات مجانية تستمر طوال العام الدراسي. “الفريق يسعى لوضع استراتيجية واضحة للمضي قدماً في هذا المسار”، تؤكد بثقة.

ويُعد قضاء أبو الخصيب واحداً من أكثر مناطق البصرة تضرراً من التلوث البيئي وشح المياه وارتفاع ملوحتها، ما جعل المبادرات البيئية التي يقودها الشباب هناك تحمل أهمية مضاعفة بالنسبة للأهالي.

في ختام حديثها، توجه زينب رسالة أمل للشباب والنساء: “أقول للمرأة خاصة وللشباب عموماً: لا تدعوا العراقيل أو النظرة المجتمعية تحد من طموحاتكم. واظبوا واستمروا، وابدؤوا بالتغيير من أنفسكم أولاً، ثم اسعوا إلى تغيير المجتمع من حولكم”.

اليوم، تقف زينب في شارع الفراهيدي عند ناصية طاولة الكتب المجانية إلى جانب أعضاء فريقها. يعلو وجهها ابتسامة واثقة وعينان تلمعان بعزم صادق على المضي قدماً. هناك، يتجمع الطلبة، يختارون ما يلزمهم من كتب وملازم دراسية تناسب مناهجهم، يلقون كلمات الشكر لفريق “بصمة نقاء التطوعي”، ثم يمضون في طريقهم محمّلين بما يعينهم على دراستهم.

أنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج قريب، وهو برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى