القدور فارغة والطيور غابت.. يوميات نساء يلاحقن ظلّ الماء

ذي قار- مرتضى الحدود

في أقصى شرق ذي قار حيث كانت الأهوار تنبض بالحياة تغيّر كل شيء. كانت النساء ينهضن قبل الفجر ويمشين على الطين لحلب الجواميس واصطياد ما تيسّر من السمك في طقسٍ يومي يشبه الطقوس المقدسة، وكانت الطيور تملأ السماء.

لكن الطين صار اليوم قشرة متشققة والقدور فارغة: لا حليب، لا سمك، ولا حتى زقزقة طائر. الأسماك باتت حكاية تُروى، والطيور هجرت المكان، والماء الذي كان يمنح الحياة لم يعد سوى بقعٍ باهتة على أطراف المضيف.

تتحدث نساء الأهوار بوجعٍ لا يحتاج إلى شرح. في أصواتهن تختلط أسماء الماء والبردي والجاموس بمعنى الكرامة نفسها، فحين يذبل النهر لا يجفّ الرزق فقط بل تتشقّق سيرة حياة كاملة.

تقول أم حسين للمنصة وهي تحدّق في ما تبقّى من قطيعها: “لم يبقَ عندي سوى عشر جاموسات. كنت أعيش هنا كأن المكان مملكة، أسمع أصوات الطيور وحركة الماء والرياح في القصب، أما اليوم فقد مات معظم الجاموس والباقي هزيل. أولادنا كانوا يلاعبون هذه الحيوانات في الماء، والآن يسألون أين اللبن؟ الدمع نخبّيه تحت العباءة”.

تسكت لحظة، ثم تضيف: “من دون الماء والجاموس والسمك والطير نشعر بالمهانة. أمس كنّا نملك واليوم نشتري الحليب لنصنع الجبن ونبيعه في سوق الجبايش. الجفاف قلّل الحليب لأن الجاموس يعيش على الماء والقصب، وحين يَقلّان تجفّ الضرعان”.

تنظر أم حسين إلى الأفق المفتوح في الأهوار وتقول إن لا حل سوى الهجرة إن استمر الحال، وبيع ما بقي لديها من الجاموس بحثاً عن مدينة يمكن أن تمنحها بيئة للعيش.

أهوار الجنوب واحدة من أكبر النظم البيئية الرطبة في الشرق الأوسط، وموطن لمجتمعاتٍ اعتمدت على الصيد وتربية الجاموس والزراعة المائية لآلاف السنين. لكن منذ سبعينيات القرن الماضي تعرّضت الأهوار لسياسات تجفيف متكررة، قم أعيد إحياء بعض المساحات منها بعد 2003، لكنها تواجه اليوم تهديدات غير مسبوقة بسبب تغيّر المناخ وتناقص الإمدادات المائية من دول المنبع.

تسع سنوات مرّت على إدراج الأهوار ضمن قائمة التراث العالمي، لكن الحلم انقلب كابوساً، الماء انحسر، وجنان مائية كانت تُغنّى بها دجلة والفرات صارت اليوم مساحاتٍ قاحلة ينهشها الجفاف وتئنّ تحت وطأة الإهمال وسوء الإدارة.

هاشم محيبس مدير الموارد المائية في ذي قار، يؤكّد أن الجفاف بلغ نحو 80% وأن الموقف المائي حرج للغاية رغم إطلاق 50% من الحصص المتاحة باتجاه الأهوار والشروع بحفر مسالك طارئة لتقليل حجم الكارثة. ويشير إلى أن الأهوار الجنوبية فقدت أكثر من ثلثي مساحتها المائية خلال السنوات الخمس الماضية، ما حوّل آلاف المربين إلى نازحين داخليين.

أم علي، وهي أم لأربعة أولاد وخمس بنات وتسكن أهوار الجبايش تقول للمنصة: “لم يخطر ببالي يوماً أن أترك هذا المكان، لكننا اليوم نقطع مسافات طويلة لجلب القصب لما بقي لدينا من الجاموس. نتنقّل داخل الأهوار من بقعة إلى أخرى نلاحق ظلّ الماء”.

تحاول أم علي التكيّف بما تستطيع، فتبدّل أماكن الرعي أو تبيع ما تصنعه بيديها. أما أولادها فلا يمتلكون مهارات تؤهلهم للعيش في المدن. تقول: “نتحمّل الجفاف وحرّ الهوا والأرض اليابسة. أنا ولدت هنا وسأموت هنا”.

يكشف مدير زراعة ذي قار محمد عباس، أن مستوى النفوق في المواشي بلغ معدلاً خطيراً إذ تجاوز العدد التراكمي 14 ألف رأس من الجاموس، فيما وصلت خسائر الثروة السمكية إلى نحو 85%.

ومن الماء إلى الناس تتشظّى الحكايات نزوحاً، إذ يشير مدير الهجرة في ذي قار، بسام الغزي، إلى نزوح أكثر من 10,500 عائلة (نحو 52 ألف نسمة) بسبب الجفاف، وأن ما يُقدَّم لهم من مساعدات حكومية لا يغطي حجم الأزمة.

وتقدّر منظمات بيئية دولية أن العراق من بين الخمسة الأكثر تأثراً بتغيّر المناخ في العالم، مع انخفاض متواصل في واردات نهري دجلة والفرات بنسبة تصل إلى 60% خلال العقد الأخير.

تعود أم حيدر بثوبها الأسود، لتطعم قطيعها أعواد القصب الجاف. تقول: “فقدت أربع عشرة جاموسة وبقي عندي ثلاثون. أراقبهن طول اليوم، خوفي أن يغرسن أقدامهن بالمياه الضحلة ولا نستطيع إخراجهن. الحياة أصبحت لا تُطاق”. يشاركها أولادها وبناتها الثمانية هذا الجهد، فهذا يقطع القصب وذاك يقدّم العلف وثالث يراقب الحركة. تتنهّد: “الآن نعدّ الخطوات ونحسب اللقيمات”. ومع ذلك، لا تزال تبحث عن حلول كفتح أحواض صغيرة لتجميع ما يتبقّى من الماء علّه يكفي الجاموس.

النائب عن ذي قار، حسن وريوش الأسدي، حذر من انخفاض المخزون المائي في العراق إلى 9 مليارات متر مكعّب فقط هذا الموسم، بعد أن كان 26 ملياراً في الموسم السابق، مشيراً إلى أن احتياجات الشرب وحدها تتجاوز 4.5 مليارات متر مكعّب سنوياً، ما يضع الأمن المائي على حافة الانهيار ما لم تتحرّك الحكومة سريعاً للتفاوض مع دول المنبع وتحقيق عدالة في توزيع المياه بين المحافظات.

تقول منار ماجد، التدريسية في جامعة ذي قار والمتخصّصة في الجغرافيا البيئية، إن الأمن البيئي لم يعد مصطلحاً أكاديمياً، بل واقعاً يومياً يضغط على حياة الناس، فالنزوح من الأهوار إلى المدن أحدث اختلالاً حادّاً بين الموارد والطلب المتزايد على الماء والغذاء والخدمات.

تشير دراسات جامعة ذي قار إلى أن موجات النزوح البيئي بدأت منذ عام 2018 وتزايدت بنسبة 40% خلال السنوات الثلاث الأخيرة. وتعدّ المجتمعات النسائية في الأهوار من أكثر الفئات تضرراً، إذ تعتمد بشكل مباشر على إنتاج الحليب والجبن والصيد كدخلٍ أساسي للأسرة.

تتابع منار ماجد أن النزوح البيئي لا يُغيّر فقط الجغرافيا، بل يهزّ البنية الاجتماعية. فمحافظة ذي قار سجّلت 185 نزاعاً عشائرياً عام 2023، كثير منها ارتبط مباشرة بشح المياه والتغير المناخي، وأدّى بعضها إلى حالات قتل أو إصابة. وتحذّر من أن غياب برامج الإدماج للنازحين قد يجعل هذه البيئات أرضاً خصبة للجريمة والتطرف.

بين البقاء والهجرة طريقان أحلاهما مرّ: التكيّف يعني شدّ الأحزمة، وتدوير العمل بين النساء، وبيع ما تصنعه الأيدي، والتنقّل داخل الأهوار لمقاومة الفقد يوماً بيوم. أما الهجرة، فتعني بيع ما تبقّى من الجاموس والرحيل إلى مدنٍ أوفر ماء، حيث يبدأ كل شيء من الصفر.

لكن أصوات النساء تتوحّد على حقيقة واحدة: كرامتنا كانت في الماء، إن عاد عادت حياتنا، وإن غاب فنحن بين صبرٍ يُستنزف وخطوةٍ خارج المكان.

وفي الحالتين، تواصل النساء الأهواريات ما يعرفنه جيداً: حماية ما تبقّى، وصون البيت، وابتكار سبل جديدة للبقاء يوماً آخر.

أنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج قريب، وهو برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى