أحمد كوكب – المنصة
في أمسية شعرية في بغداد، تنهي شاعرة شابة قراءتها وسط تصفيق الحضور. بعد دقائق، تبدأ النقاشات، لكن التركيز لا يبقى على النص طويلاً. تنتقل الأسئلة سريعاً إلى تجربتها الشخصية، ومسارها، ومدى حضورها في المشهد أو عدمه.
يتكرر هذا النمط في أكثر من فعالية، بحيث لا يبدو مجرد تفصيل عابر، بل يعكس طريقة ثابتة في تلقي الشعر الذي تكتبه نساء عراقيات، حيث لا يُفصل النص عن صاحبته، بل يُعاد قراءته من خلالها. وهنا تتحول القصيدة إلى مدخل لفحص الشاعرة نفسها لا العكس.
وتشير شهادات شاعرات عراقيات التقيناهن خلال إعداد هذه المادة إلى أن هذا التحول لا ينفصل عن نظرة اجتماعية أوسع للمرأة، تُحمل صوتها دلالات تتجاوز ما تقول، وتتعامل مع تعبيرها بوصفه امتداداً لشخصها وسلوكها، لا عملاً إبداعياً مستقلاً. وضمن هذه النظرة، لا تُقرأ الشاعرة فقط بوصفها كاتبة بل بوصفها امرأة تخضع لتقييم مضاعف، أخلاقي وأدبي في آن واحد.
“التحدي لا يرتبط بكون الشاعر امرأة بقدر ما يرتبط بكونها صوتاً جديداً يحاول أن يجد مكانه في مشهد يميل إلى تكريس الأسماء المعروفة”.
“الكتابة بحد ذاتها فضيحة في مجتمع يرى صوت المرأة عورة يجب سترها”، تقول الشاعرة الشابة إيناس فليب، واضعة التجربة الشعرية النسوية في مواجهتها الأولى مع المجتمع.
دخلت إيناس عالم الكتابة من باب بسيط، يوميات شخصية كانت تكتبها بصمت على حد وصفها، قبل أن تنتقل إلى نص مسرحي بعنوان “حكاية وطن” عُرض على خشبة صغيرة في المركز الثقافي في شارع المتنبي. مساحة محدودة، لكنها كانت كافية لبدء الطريق نحو الوسط الأدبي. لاحقاً، شاركت إيناس في مسابقة نظمها معهد غوتة بالتعاون مع جهات دولية وحصلت قصيدتها على المركز الثالث. لحظة بدت كاعتراف مبكر، لكنها لم تُنهِ الشكوك.
تقول “ينظر إلى إبداع المرأة الشاعرة في الوسط الأدبي كفقاعة ستنفجر ذات يوم.. حالة مؤقتة ستنتهي عند أول اصطدام بالواقع”. هذه النظرة وفقا لقولها، لا تُقال غالباً بشكل مباشر، لكنها تظهر في تفاصيل التلقي داخل الوسط الثقافي، في أسئلة تركّز على استمرارية الشاعرة أكثر من نصها، وفي قراءة تُحمّل القصيدة سيرة كاتبتها قبل لغتها، و”كأن النص يحتاج إلى تبرير شخصي كي يُؤخذ على محمل الجد”.
في هذا السياق، يتسع حضور الشاعرات العراقيات في الأمسيات والمنصات الثقافية، لكن هذا الحضور يبقى محكوماً بشروط غير معلنة، تجعل التركيز ينزاح من النص إلى صاحبته، وتفرض على الشاعرة عبئاً إضافياً في تثبيت صوتها واستمراريته، وتصبح الكتابة نفسها فعلاً محفوفاً بالحذر.
“كل جملة تمر عبر رقابة داخلية قبل أن ترى النور، حيث لا يُقاس النص فقط بجودته، بل بما قد يثيره من تأويل أو اعتراض” تؤكد إيناس. ومع ذلك، لا تتراجع، إذ ترى في الكتابة ما هو أبعد من النص، “الكتابة بالنسبة لي عملية تنقيب عن المعنى”.

تتحدث إيناس أيضاً عن مفهوم الشعر النسوي، ترفض الحصر الضيق، لكنها تؤكد أن تجربة المرأة تضيف شيئاً خاصاً، تقول “تفاصيل المرأة البيولوجية والنفسية تمنح القصيدة نكهة خاصة مختلفة لا يمكن إنكارها”، كالأمومة، العلاقة مع الجسد، ونظرة المجتمع، وهي كلها “عناصر تدخل في النص دون استئذان”.
وتربط إيناس صوت الشاعرة العراقية اليوم بالصوت الأول، إنخيدوانا، الشاعرة الراهبة ابنة سرجون الأكادي، التي وقّعت نصوصها باسمها في زمن لم يكن يعترف بسهولة بالصوت الفردي، في إشارة إلى أن حضور المرأة في الشعر ليس طارئاً، بل ممتداً عبر التاريخ.

لكن صورة أخرى أكثر قسوة تظهر في المشهد الثقافي، حين تصف حضور الشاعرة بـ “كوتة”، مضيفة أنه “لا يختلف عن حضور المرأة داخل قبة البرلمان”.
وتوضح أن بعض منظمي الفعاليات الثقافية يستدعون الشاعرات لإظهار تمثيل نسائي على المنصات، دون أن ينعكس ذلك على مواقع التأثير الفعلية مثل اختيار المشاركين أو صياغة البرامج. هكذا يظهر الحضور النسائي، بينما تبقى آليات القرار ضمن دوائر محدودة.
إلى جانب ذلك، تضيف الحياة اليومية طبقة أخرى من الصعوبة، مسؤوليات، وقت محدود، وقصيدة تنتظر لحظة ولادتها. تقول: “الحياة نفسها تكون أحياناً جداراً يحيط بالقصيدة ويخنق أنفاسها”.
في مساحة أخرى، تقف الشاعرة والطبيبة إحسان المدني. صوت مختلف، لكنه يحمل قلقاً من نوع آخر، إذ تقول: “الشعر هو هويتي الأولى والجذر الذي أنمو منه”.
بدأت إحسان علاقتها بالكتابة في سن مبكرة، وتحولت إلى مسار موازٍ لحياتها المهنية. لكنها ترى أن “التحدي لا يرتبط بكون الشاعر امرأة بقدر ما يرتبط بكونها صوتاً جديداً يحاول أن يجد مكانه في مشهد يميل إلى تكريس الأسماء المعروفة”.

بهذا المعنى، لا يبدو الوصول إلى المنصات محكوماً بالجودة وحدها، بل أيضاً بشبكات الاعتراف داخل الوسط الثقافي، ما يدفعها إلى التركيز على نصها أكثر من الانشغال بإثبات حضورها.
ومع ذلك، تدرك إحسان أن الشاعرة لا تُقرأ دائماً بمعزل عن صورتها، وأن النص قد يُختزل في صاحبه، وهو ما تتعامل معه عبر تعميق اشتغالها على القصيدة نفسها.

أما رفل المحسن، فتقترب من المشهد بخطى مختلفة، عند تقاطع الصحافة والشعر. بدأت رفل الكتابة بشكل خفي، عبر دفاتر لا يراها أحد، قبل أن تخرج النصوص إلى العلن تدريجياً. في الصف السادس الإعدادي، كتبت القصص القصيرة بجدية، وكانت تلك خطواتها الأولى.
لكنها تتذكر شعوراً ظل يرافقها طويلاً: كنت أشعر أن صوتي لا يؤخذ على محمل الجد.. يوصف بأنه غير مكتمل لصغر سني، إلى أن بلغت الثلاثين”. في هذا السياق، يتحول العمر إلى معيار غير معلن للقبول داخل الوسط، وكأن التجربة تحتاج إلى زمن إضافي كي تُصدّق.
وتضيف رفل أن المشكلة لا تكمن فقط في النص، بل في طريقة تلقيه: “الشاعرة غالباً ما تُقرأ من زاوية كونها امرأة، حتى عندما يكون النص عاماً”. وتذكر تجربة شخصية أكثر حدة، تمثلت برفض عائلي في البدايات وغياب الدعم، قبل أن تستمر لأن الكتابة لم تكن خياراً قابلاً للتأجيل، “حين نكتب تتحول التجربة إلى نص يملك حياة خاصة”.
ومع انتقال جزء كبير من الحضور الثقافي إلى الفضاء الرقمي، برز نوع جديد من الضغوط، يجمع بين توسيع الوصول إلى الجمهور، ودفع الكتّاب نحو إنتاج سريع قد يأتي على حساب العمق. في هذا السياق، يظهر سؤال الذكاء الاصطناعي، لكن إجابات الشاعرات تتقاطع عند نقطة واحدة: “الآلة لا تتألم”، كما تقول إيناس، بينما ترى رفل أن “الآلة يمكن أن تساعد، لكنها لا تنتج الجوهر الإنساني”، وتشير إحسان أيضاًَ إلى أن الشعر ينقل ما هو “عصي على الإدراك”.
ثلاث حكايات تتجاور دون أن تتشابه، لكنها تلتقي عند نقطة واحدة، في أن الكتابة ليست التحدي الأصعب، لكن الاستمرار داخل المشهد يزداد صعوبة بالنسبة للنساء الشاعرات.
ولا تتوفر معطيات دقيقة عن حجم مشاركة الأديبات العراقيات في المشهد الثقافي، غير أن مؤشرات جزئية تعطي صورة مغايرة لما قد يبدو عليه الحضور. إذ تشير بيانات مرتبطة بجائزة نازك الملائكة للإبداع النسوي إلى أن نسبة مشاركة النساء تصل إلى نحو 50% سنوياً، ما يعكس حضوراً واسعاً على مستوى الإنتاج. لكن هذا الثقل لا يترجم بالقدر نفسه خارجياً، إذ تُظهر دراسات حول الترجمة أن عدد الكاتبات العراقيات اللواتي تُرجمت أعمالهن إلى الإنجليزية يظل محدوداً، ولا يتجاوز نحو 12 كاتبة، وهو ما يكشف فجوة واضحة بين حجم الإنتاج المحلي ومدى انتشاره دولياً.
وسط هذا كله، يبقى صوت الشاعرة في مواجهة مستمرة، لا مع النص فقط، بل مع الشروط التي يُقرأ ضمنها، ومع نظرة اجتماعية وسياسية تختزل حضور النساء في تمثيل شكلي (كوتا)، يستدعى عند الحاجة لاستكمال صورة المشهد، لا بوصفه جزءاً فاعلاً في تشكيله.
أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



