نغم مكي- البصرة
«ماي البدعة نكطعه عليك.. اشرب من ماي الشط»، عبارة رددها أحد المشاركين في تظاهرة شهدها قضاء الفهود، جنوب شرقي محافظة ذي قار، مهدداً بقطع مياه قناة البدعة عن البصرة ما لم تتحسن ساعات تجهيز القضاء بالتيار الكهربائي.
سرعان ما تحولت العبارة إلى مقطع متداول على منصات التواصل الاجتماعي، وأثارت جدلاً بين محافظتين تتقاسمان الجفاف وتردي الخدمات. لكن أصواتاً من الفهود والبصرة رفضت تحميل الهتاف أكثر مما يحتمل، محذرةً من تحويل مطلب خدمي إلى خصومة بين سكان المنطقتين، ولا سيما أن قدرة المحتجين على تنفيذ التهديد موضع شك من الناحية الفنية.
بدأت القصة، بحسب الصحفي حيدر الصالحي، وهو من أبناء قضاء الفهود وطالب ماجستير في الإعلام، بتظاهرة سلمية للمطالبة بزيادة ساعات تجهيز الكهرباء، أسوةً بقضاء الجبايش وناحية الحمّار اللذين يقول السكان إنهما يحصلان على تجهيز أفضل عبر شبكة مرتبطة بمحافظة البصرة.
انطلقت التظاهرات من منطقة المجري، ثم انتقلت إلى العمايرة ومنها إلى مركز القضاء، وانتهت بمنح الحكومة المحلية مهلة يومين للاستجابة للمطالب. لكن الصالحي يرفض بشدة اعتبار عبارة قطع المياه موقفاً عاماً لأبناء القضاء، ويقول: «أكيد الذين رفعوا هذه الشعارات لا يمثلون أبناء قضاء الفهود. نحن ممتنون لحكومة البصرة وأهلها، وبيننا أواصر اجتماعية».
في الشارع نفسه، يصف منتظر سلمان عودة، وهو مدير مدرسة ومشارك في التظاهرات منذ عام 2011، واقع قضائه بأنه «مأساوي إلى حد لا يوصف». ويقول إن الكهرباء لا تتوفر لأكثر من ساعة ونصف الساعة يومياً، فيما تراجعت الزراعة بعد جفاف مجاري المياه في المنطقة.

ويؤكد عودة أن الذين رفعوا شعار قطع المياه «أشخاص لا يمثلون إلا أنفسهم»، مضيفاً: «أهل البصرة ما لهم علاقة بالموضوع. شلون نقطع عنهم الماء وهم ما لهم ذنب أصلاً؟». ويقدّر أن القضاء، الذي يقول إن عدد سكانه يقارب 70 ألف نسمة، يفقد سنوياً ما لا يقل عن 400 عائلة تهاجر بحثاً عن الماء وفرص العمل.
ويفصّل حسين علي محمد، وهو من سكان الفهود، واقع الكهرباء قائلاً: «أصبحت شبه منتهية؛ ساعتان تشغيل مقابل ساعتين إطفاء، وحتى ساعتا التشغيل يقطعون منهما نصف ساعة».

أما المياه، فيصفها بأنها «غير صالحة للشرب»، ويقول إن المياه التي تصل إلى مناطق الفهود والحمّار والجبايش تتوفر في أوقات محددة، فيما لا تصلح الكميات المتبقية، بحسب وصفه، حتى للاستخدام اليومي.
ويعكس حديث حسين تصوراً شائعاً لدى بعض السكان عن ارتباط المياه التي تصل إلى منطقتهم بقناة البدعة، لكن مسؤولين في قطاع المياه يقولون إن قضاء الفهود لا يقع على مسار القناة نفسها، وإنه يتغذى من نهر الفرات عبر قناة البنك. ويكشف هذا الاختلاف في توصيف شبكة المياه جانباً من الالتباس الذي ساعد على انتشار فكرة إمكان قطع القناة من داخل القضاء.
ويرفض حسين وصف ما جرى بأنه تهديد جدي، قائلاً: «محد يقبل بهذا الشيء. مستحيل أن يُقطع الماء عن قضاء كامل، هذه الأمور ما تصير أبداً». ويتهم صفحات يصفها بالوهمية بنشر كلام منسوب إلى الفهود والجبايش والبصرة «لغرض الفتنة».
«صار 20 سنة وإحنا نسمع عن تصفية مياه البحر، ولحد الآن معتمدين على ماء البدعة. الأحواض عليها 20 و30 سنة بلا تصفية ولا تعقيم»
وعلى بعد نحو 188 كيلومتراً من الناصرية، تقع منطقة الشعيبة غرب البصرة، وهي من المناطق التي تعتمد على المياه العذبة المنقولة عبر مشروع قناة البدعة.
هناك، تبدو نبرة القلق أكثر هدوءاً. تقول زينب عبد الزهرة، من سكان الشعيبة، إن المياه نادراً ما تنقطع في منطقتها، لكن لونها وطعمها تغيرا خلال العام الأخير: «مرات يجينا طين. سابقاً كنا نشرب منه، هسه ما نكدر».
ولا ترى زينب في ما حدث صراعاً بين سكان المحافظتين بقدر ما تراه نتيجةً لفشل الإدارة الحكومية، قائلةً: «الصراع مو بس على الموارد، هو صراع ضد الحكومة؛ لأن نظام المحاصصة هو اللي يسبب الأزمة».
أما حكيم العيداني، من منطقة القبلة غرب البصرة، وهي الأخرى من المناطق التي تصل إليها مياه مشروع البدعة، فيصف التهديد بأنه «زوبعة إعلامية» لا يمكن أن يكون لها تأثير عملي.
ويقول: «مياه البدعة مشروع مركزي، مو بإيد شخص من الفهود يقطع الماي». لكنه يوجه نقده إلى الإدارة الحكومية للملف: «صار 20 سنة وإحنا نسمع عن تصفية مياه البحر، ولحد الآن معتمدين على ماء البدعة. الأحواض عليها 20 و30 سنة بلا تصفية ولا تعقيم».
ويقدم محمد فهد خشان، وهو شاب عشريني يسكن حي الخطوة في قضاء الزبير غرب البصرة، جنوب محطة البدعة، شهادةً أكثر تفصيلاً عن الخلل في وصول المياه، قائلاً: «المياه تصل بشكل متقطع، ويوجد تراجع في الكمية وإخلال بانتظام الضخ».
ويلفت محمد إلى أن الأمطار والفيضانات التي شهدتها المنطقة ودول الجوار خلال العام الماضي أسهمت، وفق ملاحظته، في رفع المناسيب وخفض الملوحة مؤقتاً. ويرى أن المشكلة في منطقته لا تتعلق بكمية المياه وحدها، بل أيضاً بتهالك البنية التحتية وعدم انتظام التوزيع بين الأحياء.
ويصف تهديد قطع المياه بأنه «كلام فارغ ينم عن جهل»، محملاً السياسيين مسؤولية الأزمة، لا السكان الذين سيكونون أول المتضررين إذا توقف ضخ المياه فعلاً.

ويوضح كاظم أحمد كاظم، مدير مشروع ماء البصرة ـ البدعة، أن التراجع الأخير في التصريف نجم عن عطل في مضخات حوض التجميع، تفاقم مع أزمة السيولة المالية وتأخر إقرار الموازنة.
وينفي كاظم وجود ارتباط مباشر بين تظاهرات الفهود ومسار القناة، قائلاً إن «القضاء لا تمر منه القناة أصلاً، ويتغذى من نهر الفرات». ويستبعد إمكان تنفيذ التهديد، موضحاً أن مسار القناة ومنشآتها يمتدان عبر مناطق عدة، ولا يستطيع فرد أو مجموعة التحكم بتدفقها، ومرجحاً أن يكون ما تردد «أهزوجة أطلقها أفراد لا يمثلون المجتمع».
«الموارد قلت، وهذا شيء طبيعي أن يقود إلى صراع، والغلبة فيه للأقوى وللأعلى صوتاً».
ويقول كاظم إن مشروع الأنبوب البديل وصل إلى مراحله الأخيرة، وإن تشغيله سيرفع مستقبلاً طاقة نقل المياه. غير أن موعد التشغيل لم يُحسم بعد؛ إذ قال مدير ماء البصرة نزار ناصر، في تصريح نشره «راديو المربد» في 25 تموز/يوليو 2026، إن تأخر إنجاز خط الكهرباء الخاص بالمشروع قد يؤخر تشغيله، مطالباً بمواصلة صيانة القناة المفتوحة إلى حين دخوله الخدمة.
وفي المقابل، يقدم هاشم محيبس، مدير الموارد المائية في ذي قار، صورة مختلفة عن وضع المياه عند مصدر تغذية الفهود. ويقول إن الموارد المائية في القضاء «جيدة حالياً بسبب زيادة التصاريف وارتفاع المنسوب»، موضحاً أن المنطقة تتغذى من نهر الفرات عبر قناة البنك، ومؤكداً وجود تنسيق بين مديرية ماء البصرة والحكومة المحلية لمعالجة المشكلات التي تطرأ.
ولا تنفي إفادة محيبس وجود خلل في وصول المياه إلى بعض المناطق؛ فهي تتحدث عن مستوى التصاريف في المصدر، بينما تتعلق شكاوى السكان وأقوال مسؤولي مشروع البدعة بأعطال الضخ وتهالك شبكات النقل والتوزيع. وبذلك يمكن أن تتحسن المناسيب مؤقتاً، فيما تبقى المياه التي تصل إلى المنازل قليلة أو متقطعة أو رديئة النوعية.
ويقدم الناشط البيئي علي قاسم قراءةً أكثر تسييساً لما حدث، رابطاً إياه بنمط متكرر من التوترات بين المحافظات الجنوبية بشأن الكهرباء والمنافذ والحصص المائية، على غرار خلافات محلية شهدتها محافظات أخرى سابقاً.
ويرى قاسم أن بعض الخطاب السياسي المحلي «لا يسعى إلى الارتقاء بخدمات محافظته، بل إلى تقليل خدمات المحافظة المجاورة». ويقول إن التراجع الطويل في الموارد، حتى مع حدوث تحسن موسمي في المناسيب، يهيئ ظروفاً لظهور النزاعات، مضيفاً: «الموارد قلت، وهذا شيء طبيعي أن يقود إلى صراع، والغلبة فيه للأقوى وللأعلى صوتاً».
أما الدكتور جاسم، وهو خبير في الموارد المائية، فيضع الأزمة في سياقها الإقليمي الأوسع. ويقدّر أن العراق فقد أكثر من 80 في المئة من حصصه المائية التاريخية في نهري دجلة والفرات بعد إقامة مشاريع وسدود في دول الجوار، معتبراً أن موقع العراق بوصفه دولة مصب يجعله شديد التأثر بقرارات دول المنبع.

وعلى المستوى الداخلي، يحمل جاسم سوء إدارة الملف المائي مسؤولية التفاوت بين محافظات أعالي الأنهار ومحافظات الجنوب الأكثر تضرراً. وعندما يُسأل عما إذا كان ما حدث بين الفهود والبصرة يمثل صراعاً فعلياً على الموارد، يجيب: «لا هذا ولا ذاك. حجم المعاناة يقود الناس أحياناً إلى تصرفات مرفوضة، لكن أهلنا في الناصرية لم يمنعوا عنا الماء عبر قناة البدعة يوماً. معاناتهم في ملف الكهرباء دفعت بعضهم إلى التهديد بورقة مياه البدعة كوسيلة ضغط لإيصال صوتهم».
ويحذر جاسم من أن استمرار «أساليب الإدارة غير الفعالة للموارد» قد يقود إلى مزيد من التوترات بين مناطق الجنوب، حتى عندما لا تكون التهديدات قابلةً للتنفيذ.
وتعود جذور قناة البدعة إلى تسعينيات القرن الماضي. فقد بدأ حفرها عام 1992، وافتتحت رسمياً عام 1997 خلال فترة الحصار الاقتصادي. وتنقل القناة المياه العذبة من منظومة الغراف المتفرعة من نهر دجلة، انطلاقاً من منطقة البدعة في قضاء الشطرة شمال ذي قار، وصولاً إلى محطات الضخ في البصرة عبر مسار يبلغ نحو 238 كيلومتراً.

ومنذ ذلك الحين، ظلت القناة، بحكم كون أجزاء منها مفتوحة ومكشوفة، عرضةً لتراكم الأطيان والنباتات المائية، فضلاً عن التشققات والانهيارات التي تصيب جوانبها، ولا سيما قرب حقل الرميلة الشمالية. وتسببت هذه الأعطال مراراً بتراجع التصريف ولجوء بعض مناطق البصرة إلى نظام «المراشنة» في توزيع المياه.
وشهدت القناة كذلك حوادث اعتداء وتخريب سابقة، من بينها فتح قواطع بصورة غير قانونية عام 2022، بحسب معلومات جمعتها معدة التقرير، ما استدعى تدخلاً أمنياً. وفي آب/أغسطس 2025، حذر مكتب المفوضية العليا لحقوق الإنسان في البصرة من أن توقف القناة أو اضطراب ضخها قد يهدد الأمنين المائي والمجتمعي في المحافظة. وتسعى وزارة الموارد المائية إلى استبدال أجزاء من المسار المفتوح بمنظومة أنابيب مغلقة تقلل التسرب والتلوث والأعطال، لكن موعد تشغيل المشروع بالكامل ما زال مرتبطاً باستكمال متطلبات فنية، من بينها خط الكهرباء.
يفكر حسين علي محمد في الرحيل إلى كربلاء هرباً من تردي الكهرباء ونوعية المياه في الفهود، فيما يواصل حيدر الصالحي توثيق مطالب سكان القضاء بكاميرته. وعلى الضفة الأخرى، يتابع حكيم العيداني أزمة المياه في منطقة القبلة، بينما تراقب زينب عبد الزهرة تغير لون الماء الواصل إلى منزلها في الشعيبة.
لا تثبت هذه الشهادات اندلاع صراع فعلي على الموارد بين الفهود والبصرة، لكنها تكشف كيف يمكن لهتاف أطلقه أفراد خلال تظاهرة خدمية أن يتحول إلى خطاب تهديد بين منطقتين تعانيان أزمةً واحدة. فالفهود تطالب بالكهرباء والمياه الصالحة للاستخدام، والبصرة تعتمد على قناة قديمة ومتضررة لتأمين جزء من احتياجاتها، فيما تبقى إدارة الموردين وتوزيعهما مسؤولية مؤسسات الدولة.
وبينما ينتظر سكان الفهود تحسناً في تجهيز الكهرباء، يترقب سكان البصرة تشغيل الأنبوب البديل واستقرار تدفق المياه. وحتى يتحقق ذلك، تظل هشاشة الخدمات قادرةً على نقل الغضب من الجهات المسؤولة إلى سكان محافظة مجاورة، وتحويل عبارة عابرة إلى إنذار مبكر بتوترات أوسع.
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



