عامر عبد الرزاق.. عالم الآثار الذي حوّل التراث إلى حوار مع الناس

المنصة- مرتضى الحدود
لم يكن شغف عامر عبد الرزّاق بالآثار وليد الصدفة، بل هو حكاية بدأت منذ أن كان تلميذًا مراهقًا يجلس أمام شاشة التلفاز يشاهد تقارير عن عجائب الحضارات القديمة. كان يسحره الغموض الذي يحيط بعالم الآثار حتى بات يرى في كل حجر قصة، وفي كل نقش رسالة من الماضي.
شاءت الأقدار أن تفتح له أبواب كلية الآداب – قسم الآثار في جامعة بغداد أواخر تسعينيات القرن الماضي. يومها، كما يقول ضاحكًا “لم يسعني المكان من شدة الفرح.. شعرت أنني دخلت بوابة الحلم الذي طالما راودني”.
في أول تجربة ميدانية له بمنطقة اليوسفية ببغداد، وقف عبد الرزّاق يحمل فرشاة صغيرة وأداة تنقيب متواضعة، يبحث بين ذرات التراب عن خيطٍ من التاريخ في موقع “أبو حبة” السومري.
يتذكر تلك اللحظة قائلاً: “كنت أشعر أن التراب يتحدث معي.. أنني أزيل عنه غبار النسيان لا الغبار فقط”.
منذ تلك الفترة لم يعد يرى في التنقيب مجرد مهنة بل رسالة وواجبًا أخلاقيًا تجاه إرث العراق الإنساني. وبعين الباحث وفضول الفتى الحالم، كان عبد الرزّاق يطرح أسئلة تتجاوز المألوف خلال فترة دراسته عن علاقة الأنبياء بالحضارات وعن البعد الروحي للآثار.
لكن تلك الأسئلة لم تكن مرحبًا بها في زمنٍ كانت فيه المراقبة صارمة من قبل النظام الحاكم آنذاك، حزب البعث، خصوصًا مع محدودية الحرية الأكاديمية. “استدعاني أحد الأساتذة إلى مكتبه ونصحني ألا أطرح هكذا أسئلة خوفًا عليّ، رغم أنها كانت علمية بحتة”.

بعد تخرجه عام 2000، وجد نفسه في معسكر الغزلان بالموصل لأداء الخدمة العسكرية الإلزامية. لكنها لم تكن عائقًا بل فرصة جديدة للتعرف على كنوز نينوى وسورها العظيم. “كنت أزور المواقع الأثرية في أوقات الاستراحة، وكان الضباط يستغربون من تخصصي، فأشرح لهم معنى النقوش والمدن التاريخية”. ومن الموصل إلى الناصرية، ازداد ارتباطه بالأرض أكثر، وبات يرى في كل موقع أثري ذاكرة وطنٍ لا تُقدّر بثمن.
حين اجتاح العراق عام 2003 دوامة الفوضى، كانت المواقع الأثرية أولى الضحايا، إذ شهد العراق أكبر موجة نهب وتدمير للمواقع الأثرية في تاريخه الحديث، وتعرّض أكثر من 15 ألف قطعة أثرية للسرقة من المتحف الوطني، فيما نُهبت مئات المواقع جنوب البلاد، ما دفع العشرات من علماء الآثار المحليين إلى التحرك لحماية هذا الإرث وسط الفوضى الأمنية.

لم يقف عبد الرزّاق متفرجًا، بل حمل قلبه ومعرفته وسار برفقة العالم الراحل عبد الأمير الحمداني في مهمة محفوفة بالمخاطر لحماية المواقع الأثرية. يقول: “كنا نرافق قوات التحالف ونتصدى للّصوص بأيدينا.. كنا نُراقَب ونُهدَّد، لكني لم أفكر يومًا بالتراجع. لم أتقاضَ دينارًا واحدًا لأنني كنت أقاتل من أجل تاريخنا”.
ويروي عبد الرزّاق أنه واجه الموت ثلاث مرات أثناء عمله الميداني. المرة الأولى في تل جوخا نهاية عام 2003 حين أطلق مسلحون النار لتحذيرهم، والثانية حين اكتشف لغمًا أرضيًا أسفل مركبته أثناء طريقه إلى موقع لارسا، والثالثة عندما فتحت مروحية أباتشي النار محيطًا بمركبته عن طريق الخطأ. كانت تلك اللحظات المفصلية التي حوّلته من باحث أكاديمي إلى ناشط ثقافي يقاتل من أجل ذاكرة العراق.

مع مرور السنين، أدرك عبد الرزّاق أن الدفاع عن الآثار لا يقتصر على الميدان. فحمل رسالته إلى المنصّات الرقمية، حيث حوّل صفحاته إلى فضاءٍ ثقافيٍّ مبسّط يخاطب الناس من مختلف الأعمار. بات يصوّر المواقع الأثرية، ويحذّر من التجريف، ويدعو الجميع إلى المشاركة في حماية هوية العراق.
عام 2005 حصل على أول عقد حكومي في مفتشية الآثار، وبعد عامين تم تثبيته على الملاك الدائم. ولشدة نشاطه، اختير عام 2007 عضوًا في لجنة المسح الأثري في مدن الوسط والجنوب، وتولى لاحقًا إدارة المفتشية مرتين ثم إدارة متحف الناصرية الحضاري.
يقول: “لم أفكر يومًا أن ما أقوم به هو مجرد مهنة أتقاضى عنها راتبًا. بل أحمل همّ هذه الأحجار وأعمل على استنطاقها وجعلها مادةً حيّة يتعرف الناس من خلالها على هذا العالم”.

يصف عميد كلية الفنون الجميلة في جامعة الشطرة الدكتور ياسر البراك عبد الرزاق بأنه “لا يكتفي بالتنقيب بين الطبقات الأثرية، بل ينقّب أيضًا في ذاكرة الناس، ويستخرج منها إحساس الانتماء المفقود.” ويضيف أن عبد الرزاق جعل من وسائل التواصل الاجتماعي جسرًا يصل بين التراث والمجتمع، مقدّمًا محتوىً معرفيًا شيّقًا يقرّب التاريخ إلى الجمهور العام، لا إلى المتخصصين فقط.
ويرى أن هذا النمط من النشاط الثقافي يتجاوز التعريف بالمواقع الأثرية ليصبح خطابًا لبناء المواطنة قائلاً: “الرجل يمتلك رؤية وطنية للآثار العراقية، وهي رؤية نحن بأمسّ الحاجة إليها لأنها تؤكد على الهوية الوطنية الجامعة التي نأمل أن تسود”.

عامر، كما يصف نفسه لا يتذكر كل الأماكن التي ألقى فيها محاضرات توعوية وتثقيفية. يقول بثقة: “وصلت إلى كل محافظات العراق بل تعدى الأمر إلى المجمعات التجارية. أتكلم بلغة الناس ولهجتهم، وأبسط المعلومة لتصل إلى الجميع”.
استطاع أن يقدّم أكثر من 1000 محاضرة في مختلف المنصات والجامعات والفضاءات الرقمية لإحياء التراث وجعله مادة حيّة. ويشير إلى أن تجربته مع منظمة TEDx كانت إحدى المحطات الفارقة في مسيرته، إذ اختير ضمن عشرة متحدثين فقط من أصل أكثر من ألف متقدّم لعرض قصص نجاحهم حول العالم.

يقول بفخر: “كان ذلك في الموصل قبل نحو ثلاث سنوات. أُتيح لي 16 دقيقة فقط لأقدّم تجربتي وجهودي في تسويق التراث العراقي والحفاظ عليه.”
ويعد العراق يُعدّ من أقدم مواطن الحضارة الإنسانية، حيث نشأت فيه حضارات سومر وأكد وبابل وآشور. وتضم محافظة ذي قار وحدها أكثر من 1200 موقع أثري، من بينها مدينة أور التاريخية، مهد النبي إبراهيم، ما يجعلها من أغنى المناطق الأثرية في الشرق الأوسط.

يصف الدكتور علي العتابي، عضو مركز البوصلة للحوار، تجربة عامر عبد الرزّاق بأنها “واحدة من أكثر التجارب تميزًا في المشهد الثقافي العراقي الحديث” مضيفًا: “عامر لم يعد مجرد باحثٍ في الحفريات، بل أصبح وجهًا إعلاميًا لتسويق الآثار العراقية وإعادة تقديمها بلغةٍ قريبة من الناس”.
ويرى العتابي أن عبد الرزّاق يمتلك كاريزما خاصة وقدرة على لفت الأنظار إلى تاريخ العراق، خصوصًا في جنوب البلاد حيث جذوره وذاكرته الأولى. “لقد استطاع أن يفتح نافذة جديدة على الآثار، تتجاوز حدود المتاحف والبحوث الأكاديمية، لتصبح جزءًا من الخطاب الثقافي الوطني”.

نال عبد الرزّاق تدريبات مكثفة في الولايات المتحدة والصين، وكتب ثلاثة بحوث علمية، ونال شهادة الدكتوراه الفخرية من جامعة أوزبكستان، وتلقى عدة تكريمات حكومية، آخرها من رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني بصفته “الموظف المتميز”.
من الفوضى إلى المنصّات، ومن الحفريات إلى الشاشات، ظلّ يؤمن بأن التراث لا يموت ما دام هناك من يؤمن به ويصونه بالكلمة، بالصورة، وبالإيمان بأن الماضي واحد من سبل الذهاب نحو المستقبل.



