حنان صادق.. أول بصرية تفتح مشتلاً في مدينة عطشى للخضرة
نغم مكي- البصرة
تتحرك حنان صادق بين صفوف النباتات بخفة يعرفها زوار مشتلها في البصرة. ترفع شتلة صغيرة، تتفقد تربتها، وتفحصها كما لو كانت تشخّص حالة مريض، بينما يسألها الزوار عن نبات يتحمّل قيظ المدينة أو عن سماد وضوء مناسبين. وفي مدينة تشهد منذ سنوات تراجعًا كبيرًا في الغطاء النباتي، تحاول حنان أن تخلق مساحة خضراء صغيرة تعوّض ما فقدته البصرة.
البصرة، التي تُعدّ من أكثر مدن العراق تعرضًا لملوحة المياه وارتفاع درجات الحرارة، خسرت خلال العقود الماضية جزءًا كبيرًا من بساتينها ونخيلها التقليدي. وتشير تقارير وزارة الموارد المائية إلى أن نسب الملوحة في شط العرب وصلت في بعض السنوات إلى مستويات تهدّد الزراعة المنزلية والمزارع الصغيرة، ما دفع السكان إلى البحث عن بدائل زراعية أكثر قدرة على التحمّل.

منذ طفولتها، كانت الخضرة جزءًا من يوميات حنان. التحقت بكلية الزراعة رغم ترددها الأولي، لكنها أدركت سريعًا أن هذا الطريق يناسبها. درست وقاية النبات وتعمّقت في أمراض التربة، وبدأت فكرة المشتل من عملها في مزرعة والدها عندما كانت تبحث باستمرار عن حلول للمشكلات الزراعية وتستعين بأساتذتها في الجامعة. قبل ست سنوات بدأت مشروعها الصغير، الذي تحوّل مع الوقت إلى محطة معروفة لسكان المدينة.
واجهت حنان تحديات كبيرة، فالبصرة تعيش عامًا بعد عام صيفًا قاسيًا تتجاوز فيه الحرارة 50 درجة مئوية، وتُعدّ من المحافظات الأكثر تأثرًا بتغيّر المناخ في العراق وفق دراسات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. هذه الظروف جعلت نجاح أي زراعة تحديًا حقيقيًا يحتاج خبرة وصبرًا طويلين.

أما على المستوى الاجتماعي، فقد واجهت مجتمعًا محافظًا لم يعتد رؤية امرأة تدير مشتلاً وتعمل تحت الشمس. سمعت التعليقات وواجهت أسئلة شخصية غير مناسبة، لكنها استمرت بثقة، قائلة: “أصبحت قوية بفضل التجربة، وأعرف كيف أضع حدودي وأُفهم الآخرين أن وجودي هنا حق وليس استثناء”.
ترى أن يومها في المشتل “طاقة حلوة”. فالنباتات بالنسبة لها ليست بضاعة، بل مساحة للراحة ومحاولة لإعادة بعض الجمال إلى مدينة أتعبها الغبار والجفاف. كثير من الزبائن يعرفونها بالاسم، وبعضهم يزور المشتل فقط ليقضي وقتًا وسط الخضرة. الدعوات التي تتلقاها بعد مساعدتهم في إنقاذ نبتة تعتبرها أجمل ما تجنيه من عملها.
ولا تتعامل حنان مع لقب “أول امرأة بصرية تفتح مشتلًا” كمديح، بل كمسؤولية. تشجع النساء على خوض هذا المجال، وتشير إلى أن كثيرات من خريجات الزراعة يمتلكن خبرة جيدة لكن تنقصهن الجرأة والدعم.
طموحها يتجاوز المشتل الحالي، فهي تخطط لتأسيس شركة زراعية متكاملة بمختبرات تشخيص وشراكات مع شركات عالمية، وإدارة مزرعة إنتاج حقيقية. ورغم غياب الدعم، إلا أنها تؤمن بأن الجهد الفردي قادر على إحداث فرق، خاصة في مدينة تحتاج إلى مبادرات أهلية لإعادة إحياء مساحاتها الخضراء.
وفي حديثها عن التشجير في البصرة، تقول إن “النجاح لا يقوم على زرع الشتلات فقط، بل يبدأ بتهيئة التربة واختيار المكان المناسب”. تنتقد زراعة النخيل في الأرصفة بسبب جذوره العميقة، وتفضّل الأشجار الصحراوية التي تتحمل الحرارة مثل الغاف والشلفلورا وكف مريم، وتتمنى أن تكون السدرة الشجرة الوطنية للعراق لأنها “رمز للذاكرة والقوة”.


في نهاية اليوم، تتفقد شتلاتها بهدوء، تفكر في مستقبلها الأكاديمي وربما الدراسات العليا، أو في المزرعة التي تحلم بتأسيسها مستقبلًا. لكنها الآن تكتفي بهذه المساحة الخضراء التي صنعتها بإصرار، مقتنعة بأن القوة قد تكون على هيئة نبتة صغيرة تصمد تحت شمس البصرة دون أن تذبل.
أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).



