100 نون عراقية.. حكايات نساء يعدن رسم معرض العراق للكتاب

فاطمة كريم _بغداد

ما إن تطأ قدماك بوّابة معرض العراق الدولي للكتاب حتى يطالعك مشهد مختلف يعلن عن روح هذه الدورة الاستثنائية. تمتدّ الصُّوَر على الجدران لنساء عراقيات صغن ملامح البلاد عبر الفنّ والعِلم والهندسة والإعلام. تبدو الأسماء كأنّها شهادات ضوء تروي تاريخاً طويلاً من المثابرة والإنجاز، وفي قلب هذا المشهد يبرز شعار “100 نون عراقية”.

انطلقت على أرض معرض بغداد الدولي فعاليات الدورة السادسة من معرض العراق الدولي للكتاب اليوم الأربعاء، والذي تنظّمه مؤسسة المدى للثقافة والفنون والإعلام خلال الفترة من 3 إلى 13 كانون الأول/ديسمبر 2025.

ويُعدّ المعرض أحد أكبر الفعاليات الثقافية في العراق، إذ استقطب في دورته السابقة أكثر من 800 ألف زائر بحسب أرقام مؤسسة المدى، وشارك فيه أكثر من 400 دار نشر عربية وأجنبية.

وسط زحام المعرض وتوافد الناس إليه بكثرة، تجلس ميس عبد الكريم، سيدة في الثامنة والثلاثين من عمرها، خلف طاولة صغيرة تزيّنها عشرات القطع التي صنعتها بيديها؛ من أساور بسيطة إلى قلادات تحمل رموزاً عراقية مستلهمة من النقوش القديمة. تبدو ميس كأنّها جزء من هذا المكان، تراقب ابتسامة كل زائر يمرّ أمام بُوثها، وكأنّها تقرأ في عيونهم تقديراً لعملٍ استغرق ساعات طويلة من التركيز والمحبة.

تقول إنّ “مشاركتها في معرض يحمل شعار 100 نون لم تكن مجرد فرصة للبيع، بل لحظة شعرت فيها أن فنّي الصغير وجد أخيراً مكاناً يحتضنه”، وتضيف: “أنا أصنع هذه القطع في غرفتي منذ سنوات، ولم أكن أتخيّل يوماً أنّها ستُعرض في معرض دولي للكتاب”.

يقول ياسر السالمي، المدير الإعلامي والمتحدّث الرسمي باسم المعرض، إنّ الدورة الحالية “خصّصت جزءاً كبيراً من فعالياتها لقضايا المرأة واستذكار الرموز النسائية، وذلك بمشاركة مؤسسات رسمية وثقافية، من بينها وزارة التربية التي تساهم بفعاليات منوّعة، إضافة إلى مشاركات لدول عربية وأجنبية”.

ويلفت إلى أنّ المعرض يمثّل منصة لـ “تبادل المعرفة والإبداع، ويكرّم هذا العام النساء اللواتي تركن بصمات خالدة في التاريخ”، مؤكداً أنّ بغداد ما زالت فضاءً حيّاً للثقافة والفنون ومجتمعاً يحتفي بالمعرفة بأشكال مختلفة.

اختار القائمون على المعرض اسم “100 نون” بوصفه رسالة رمزية تعيد الاعتبار لصوت المرأة العراقية ودورها المحوري في المجتمع. يشير حرف النون هنا إلى النساء، وهو رمز لكل سيدة تحمل بصمتها الخاصة، سواء كانت فنانة أو مهندسة أو أكاديمية أو رياضية أو ناشطة اجتماعية.

ومن بين النماذج التي جرى الاحتفاء بها، أطوار بهجت، الصحفية اللامعة التي برزت خلال تغطياتها الميدانية في سنوات الاضطراب، وزها حديد، المعمارية العالمية التي أعادت تعريف العمارة الحديثة، ولميعة عباس عمارة، الشاعرة الرائدة من جيل الحداثة، ونهى الراضي، الفنانة والكاتبة التي سجّلت يوميات الحرب بلغة إنسانية مؤثرة.

كما حظيت نجلاء عماد، بطلة العراق في ألعاب القوى، باهتمام واضح خلال حفل التكريم الخاص بمبادرة “100 نون عراقية” ودُعيت بوصفها إحدى النساء اللواتي تخطّين سقف التوقعات، ورسّخن حضور المرأة العراقية في الرياضة رغم الصعوبات.

تقول نجلاء إنّ “حضورها في معرض يحتفي بالمرأة بهذا الحجم يحمل معنى مختلفاً”، مضيفة: “أنا فخورة بأنّ اسمي وجد مكاناً بين هذه المجموعة الكبيرة من النساء الملهمات. هذا التكريم يؤكّد أنّ المرأة العراقية تستطيع أن تكون حاضرة في كل المجالات، ليس في الرياضة فقط، بل في الثقافة والإبداع وصناعة الأمل”.

يستعرض المعرض هذا العام أكثر من مليون كتاب وإصدارات جديدة من 450 دار نشر من 23 دولة، ويقدّم برنامجاً ثقافياً متنوعاً يشمل ندوات فكرية، حلقات نقاشية، ورش عمل، حفلات توقيع، وأمسيات موسيقية وشعرية.

وتشير بيانات مؤسسة المدى إلى أنّ الكتب الفكرية والأدبية تستحوذ على نحو 55% من مبيعات المعرض سنوياً، فيما تشكل كتب الأطفال نحو 18% من إجمالي المبيعات.

لم يقتصر حضور المرأة في المعرض على الصور والأسماء، بل امتدّ إلى فضاءات أوسع صنعتها الندوات اليومية التي خُصص جزء كبير منها لقضايا النساء. ففي اليوم الثاني وحده نُظّمت خمس ندوات تناولت موضوعات تمتدّ من الثقافة والإبداع إلى التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه المرأة العراقية، بمشاركة شاعرات وأكاديميات وإعلاميات قدّمن رؤى متنوّعة أغنت النقاش وفتحت أبواباً جديدة للفهم.

كما خصّص المعرض مساحة واسعة للنساء الحرفيات لعرض منتجاتهنّ. هناك تتجاور مشغولات الخياطة مع الحُليّ اليدوية والأعمال التراثية في مشهد يعكس دور المرأة في الحفاظ على التفاصيل الصغيرة التي تصنع هوية المجتمع.

تستخدم ميس خامات بسيطة تجمعها بنفسها، وتروي أنّ كل قطعة تمرّ بثلاث مراحل أساسية: الرسم، التشكيل، ثم التجميع اليدوي الدقيق. تقول: “أحبّ أن يشعر من يشتري أي قطعة أنّها صُنعت له وحده، لذلك أركز على التفاصيل الصغيرة التي تمنح العمل روحاً خاصة لا تتكرر”.

وتوضح أنّ أكثر ما أسعدها هو رؤية الزائرات يتوقفن طويلاً أمام البُوث يتبادلن الحديث عن اللون أو الخامة أو المعنى، مؤكدة أنّ هذه المساحات تمنح النساء فرصة لعرض إبداعهن بعيداً عن الصورة النمطية.

سارة القيسي، إحدى الزائرات، كانت تتجوّل بين أركان المعرض بخطوات هادئة. توقفت طويلاً أمام صور النساء المكرّمات تقرأ الأسماء وتحاول استعادة اللحظات التي سمعت فيها عن كل واحدة منهن، قبل أن تقول بابتسامة خفيفة: “لم أتوقع أن أشاهد هذا الحضور الطاغي للنساء. شعرت كأنّ المعرض يعرض حياتنا نحن—not حياة المشاهير فقط، بل حياة كل امرأة تكافح بصمت”.

وتصف مشاركتها في هذه الدورة بأنّها مختلفة تماماً عن السنوات السابقة، قائلة: “الشعار وحده، 100 نون، جعلني أشعر بأنني لست مجرد زائرة، بل جزء من فكرة أكبر. جئت لشراء كتب، لكنني وجدت نفسي أقف أمام صور وندوات وأصوات نساء يشبهنني”.

مع نهاية الجولة، يبقى إحساس واضح بأنّ هذه الدورة كانت مختلفة فعلاً. حضور النساء في كل زاوية جعل الفكرة أقرب للقلب وأكثر صدقاً. “100 نون” لم تكن مجرد عنوان، بل قصص ووجوه وتجارب تشبه حياة نساء نعرفهن ونلتقي بهن كل يوم. بين الندوات والبُوثات والصور، يبقى المعرض مكاناً يذكّرنا بأنّ المرأة العراقية ما زالت تصنع حضورها مهما تغيّرت الظروف.

أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى