صداقة الطين والنار.. تجربة فنانة عراقية في الخزف اليدوي

أحمد كوكب- بغداد

في زاوية هادئة من بغداد، حيث تتداخل رائحة الطين الرطب مع حرارة الفرن، تجلس “ست الكرام”، أو “كرام” كما تُعرف، أمام كتلة طين لم تتخذ شكلها بعد. تضع كفيها عليها بحذر، وتبدأ بإدارة العجلة، فتدور العجلة ببطء، ويرتفع الطين وينخفض.

لا شيء هنا يتحرك بسرعة. كل تفصيلة تحتاج صبراًَ، وكل انحناءة تُختبر أكثر من مرة قبل أن تستقر على هيئة نهائية. تقول كرام: “هنا أحس الدنيا تهدأ. مو شغل يدوي وبس، هذا وقتي الآمن، طقس هدوء، وطريقة أفهم بيها نفسي والعالم”.

كرام، البالغة من العمر 28 عاماًَ، خريجة كلية الفنون الجميلة، قسم الفنون التشكيلية، فرع الخزف في جامعة بغداد. كانت رسامة منذ طفولتها، محبة للألوان والأشغال اليدوية، لكن علاقتها الحقيقية بالطين بدأت داخل الأكاديمية. هناك اكتشفت أن الخزف ليس مجرد حرفة، بل لغة كاملة لها مفرداتها وصمتها وصبرها.

تستعيد اسم أستاذها زيد لقمان بامتنان واضح، وتقول: “هو أول شخص فتح لي هذا الباب. علّمني أشوف الطين مو كمادة، بل ككائن يتفاعل وياك. مو حرفة هامشية، بل فن كامل الشروط”. تؤكد أن شغفها لم يكن امتداداًَ لإرث عائلي: “ولا أحد من عائلتي كان يعرف هذا الفن. هو خيار شخصي نابع من تجربة واكتشاف”.

تعتبر كرام صناعة الفخار جزءاًَ من هويتها ووسيلة تعبير لا تقل صدقاًَ عن الرسم أو الكتابة. تقول: “جمال الفخار الحقيقي هو التوازن بين الفن والمنفعة. القطعة إذا كانت حلوة بدون فايدة ما تشبهني، وإذا كانت عملية بدون روح ما تغريني”.

حين تشكّل الطين بيديها، تشعر وكأنها تبتعد عن الضجيج اليومي وتدخل عالماًَ بطيئاًَ ومنتبهاًَ لا يقبل الاستعجال ولا يسامح الأخطاء. “الطين يعلّمك الصبر، ويعاقبك إذا استعجلت عليه”. تمر القطعة الفخارية في ورشتها بمراحل دقيقة، تبدأ بتحضير الطين وتنقيته من الشوائب، ثم عجنه جيداًَ ليصبح مرناًَ وقابلاًَ للتشكيل. بعدها يتشكل الجسد الفخاري يدوياًَ أو على عجلة الفخار، ويُترك ليجف تدريجياًَ من الرطوبة. تأتي بعدها مرحلة الحرق الأول داخل الفرن، وهي المرحلة الحاسمة. تقول كرام: “هاي المرحلة تخوف. النار يا إمّا تصادقك، يا إمّا تكسر كل تعبك”.

بعد الحرق الأول تُطبق طبقة الزجاج، وهو طلاء معدني يمنح القطعة لونها ولمعانها، ثم تُعاد إلى الفرن للحرق الثاني، لتخرج بعدها قطعة صلبة جاهزة للاستعمال. قد تستغرق هذه الرحلة من أسبوع إلى أشهر، تبعاًَ لحجم القطعة وتعقيدها. “مرحلة الانتظار هي الأصعب. بيها قلق حقيقي، لأن كل تعبك ممكن ينجح أو ينهار”.

يمتد تاريخ الفخار في العراق إلى آلاف السنين، إذ تُعد بلاد الرافدين من أوائل المناطق التي استخدمت الطين في صناعة الأواني اليومية، والكتابة على الرقم الطينية، وبناء العمارة الأولى. وتشير دراسات أثرية إلى أن أقدم القطع الفخارية المكتشفة في العراق تعود إلى الألف السابع قبل الميلاد، ما يجعل الفخار وثيقة حضارية موازية للنصوص المكتوبة.

ورغم التحديات المعاصرة، لا سيما في ظل هيمنة المنتجات الصناعية السريعة، ترى كرام أن الفخار اليدوي يمتلك ما لا يمكن للآلة تكراره. “القطعة اليدوية تحمل روح صانعها، وهذا الشي ما ينسخ”. تحب المزج بين التقليدي والمعاصر، تحترم الحرفة بجذورها وانضباطها، وتمنح الفن حرية التجريب. “الحرفة تعطيني جذور، والفن يعطيني حرية، وأنا محتاجة الاثنين حتى أطلع قطعة صادقة”.

تبتسم حين تتذكر أول قطعة صنعتها، وتقول: “ما كانت مثالية، بس كانت البداية. تحمل لحظات حلوة، ومهما تطور شغلي تبقى إلها مكانة”. أكثر ما يمنحها شعوراًَ بالرضا هو حين يخبرها أحدهم أن قطعة أخذها منها صارت جزءاًَ من يومه أو بيته. “بهاللحظة أحس كل التعب كان يستاهل”.

اليوم، لا يشكل الفخار مصدر رزقها الأساسي. تعمل معلمة تربية فنية في مدرسة ابتدائية، وتصف علاقتها بطلابها بأنها قريبة ودافئة. “دائماًَ أحاول أشوف نواة الإبداع برسوماتهم، لأن الفن إذا ما انشاف من وقت ممكن يضيع أو تُهمل الموهبة”. وفي الوقت نفسه تمضي معظم وقتها بين الورشة والمنزل، حيث أسست ورشة تدريبية باسم “رازونة”، بدأت فيها بتعليم أساسيات فن الخزف، وشاركت بأعمالها في فعاليات فنية نظمتها وزارة الثقافة، ولاقت استحسان الحضور.

تحلم كرام بتوسيع “رازونة” وتحويلها إلى مساحة مخصصة لصناعة الفخار وتعليمه. “نقل المعرفة جزء أساسي من بقاء الحرفة حيّة”، تقول بنبرة حريصة. وترى أن تقدير هذا الفن لم يختفِ، بل تغيّر شكله. “أكو ناس بعدها تبحث عن الأشياء اللي تحمل روح، وسط كل هذا الاستهلاك السريع”.

وفي وقت تشير فيه تقارير ثقافية إلى تراجع الحرف اليدوية التقليدية أمام المنتجات الصناعية الرخيصة، يعود الاهتمام بالفخار اليدوي عالمياًَ بوصفه جزءاًَ من اقتصاد بطيء ومستدام، يعيد الاعتبار للعمل اليدوي والمنتج المحلي.

وبرغم كثرة التحديات، تؤمن كرام أن ما دام هناك من يحب الطين ويؤمن بقيمته، فإن الفخار، كفن وحرفة وحياة، لن يختفي، بل سيستمر ويتحوّل ويتجدد، تماماًَ كما يفعل الطين بين كفيها.

أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى