ملاك الطائي.. امرأة من ميسان تتقدّم صفوف ألعاب القوة العربية

مهدي الساعدي – ميسان
منذ سنواتها الأولى، بدت ملاك الطائي متأثرةً بالأدوار الرياضية التي كان يمارسها إخوتها الذكور. لم تكن خصوصيتها كفتاة عائقًا أمام انجذابها للرياضة، رغم نشأتها في بيئة عشائرية محافظة غالباً ما تقف حائلاً أمام مشاركة البنات في الأنشطة البدنية. ومع ذلك، أصرت على الاستمرار، وتحوّل التحدي إلى مسار طويل أوصلها إلى منصات التتويج، حيث احتلت المركز الأول في أربع بطولات متتالية في ألعاب القوة.

ملاك الطائي رياضية من محافظة ميسان، قادت خلال مسيرتها عدداً من الفرق النسوية في رياضات مختلفة، أبرزها رياضة الكابادي، قبل أن تحصد مؤخراً لقب “أقوى امرأة عربية” بعد فوزها في بطولة أُقيمت بمشاركة لاعبات من لبنان وفلسطين وإثيوبيا وتونس ومصر. واجتازت الطائي جميع مراحل المنافسة في ألعاب القوة، لتصبح أول امرأة عراقية من ميسان تحرز هذا اللقب العربي.

بدأت علاقتها بالرياضة في سن مبكرة، خلال المرحلة المتوسطة، حين مارست ألعاباً مختلفة مثل الكرة الطائرة وكرة السلة ضمن دروس التربية الرياضية المدرسية. تقول الطائي: “بداياتي الرياضية تعود إلى الصف الأول المتوسط، كنت أحب الألعاب الرياضية كثيراً، وشاركت في كل ما كان متاحاً لنا في المدرسة”.
هذا الشغف لم يأتِ من فراغ، بل كان امتداداً لتأثرها بإخوتها. تضيف: “أحد إخوتي كان يمارس رياضة الدراجات الهوائية، والآخر كان مهتماً بكمال الأجسام، وكنت أشاركهم التدريب واللعب”.

لم يتوقف مشوار ملاك عند حدود الهواية، حتى بعد زواجها، بل اتجهت نحو التخصص في الرياضات النسوية، فاختارت رياضة الكابادي، وهي لعبة شعبية تعود جذورها إلى دول جنوب آسيا، أبرزها الهند، قبل أن تُطوَّر وتُدرج ضمن المنافسات الرسمية منذ تسعينيات القرن الماضي.

أسست الطائي فريق ميسان النسوي للكابادي، وشاركت معه في بطولات محلية وعربية، محققة مراكز متقدمة. تقول: “عملت مدربةً لفريق الكابادي النسوي على المستويين المحلي والوطني، وشاركنا في بطولات داخل العراق وخارجه، منها في إيران ولبنان”. وتوضح أنها حصدت المركز الثالث محلياً كمدربة لمنتخب ميسان، والمركز الثالث في بطولة أُقيمت في إيران، إضافةً إلى المركز الثاني في بطولة أُقيمت في لبنان.

رغم هذه الإنجازات، لم يكن الطريق معبّداً. واجهت الطائي، كما كثير من الرياضيين في العراق، مشكلات تتعلق بإدارة الاتحادات الرياضية وضعف الدعم، ما دفعها إلى الابتعاد فترةً عن المنافسات الرسمية، والتفرغ لإدارة قاعة رياضية نسوية افتتحتها في مدينة العمارة. هناك، بدأت بتنظيم منافسات داخلية في ألعاب القوة، مثل رفع الأثقال، بين المشتركات.
تقول: “نظمنا مسابقات بسيطة بجوائز رمزية، لكنها خلقت روح تنافس حقيقية، ولاحظت شغفاً كبيراً لدى المشاركات”.

من هذه التجربة، انطلقت مشاركتها في بطولات ألعاب القوة. توضّح: “اتصل بي أحد الزملاء وأخبرني بوجود بطولة لألعاب القوة النسوية في لبنان، وقال إن ما أمارسه يتوافق تماماً مع طبيعة البطولة، وكانت تلك الشرارة الأولى”.

بعد إحرازها المركز الأول في أول مشاركة لها في لبنان، تعرّفت الطائي عن قرب على طبيعة هذه البطولات، وانضمت لاحقًا إلى الاتحاد العربي للألعاب الشعبية والتراثية ممثِّلةً عن العراق، وأسهمت في إدخال عدد من الألعاب الشعبية العراقية ضمن أنشطته.

يشير مارون خليل، مؤسس ورئيس الاتحادين اللبناني والعربي للتراث والرياضات التقليدية الشعبية، إلى أن الاتحاد تأسس عام 2011، ويضم اليوم 13 دولة عربية، ويعمل على إحياء الرياضات التقليدية بوصفها موروثاً ثقافياً غير مادي. ويؤكد أن الاتحاد ينظم سنويًا بطولات “أقوى امرأة” و”أقوى رجل” على المستويين العربي والدولي، معلنًا عن خطط لإقامة بطولة قادمة في بغداد.

لم تتوقف مشاركات ملاك عند لبنان، بل تبعتها بطولات أخرى في تونس وإيران، كانت جميعها من نصيبها. كما استضافت مدينة العمارة النسخة الحادية عشرة من بطولة “أقوى امرأة عربية” في ألعاب القوة في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وتربعت الطائي على صدارة المنافسة مرةً أخرى.
تروي عن تلك التجربة: “واجهتنا مشكلة نقص بعض الألعاب الشعبية التي تُمارس في دول عربية أخرى، فاضطررت إلى تصنيعها على نفقتي الخاصة، بمساعدة زوجي وولدي، وبمساندة عدد من أبناء المحافظة ومديرية الشباب والرياضة. شارك في البطولة ممثلون عن سبع دول، ولم نتلقَّ دعماً حكومياً مباشراً”.
وتؤكد الطائي أنها اعتمدت على نفسها في جميع مشاركاتها الخارجية، متحمّلة تكاليف السفر والمشاركة، مشيرةً إلى أن زوجها وعائلتها كانوا الداعم الأكبر لها في كل المراحل.
انعكس مشوار ملاك الطائي على واقع الرياضة النسوية في ميسان. تصفها سهاد محسن، مسؤولة الشعبة النسوية ووحدة شؤون المرأة في مديرية شباب ورياضة ميسان، بأنها شخصية قوية ومؤثرة. تقول: “ملاك تمتلك حضوراً اجتماعياً إيجابياً، وتشجع اللاعبات باستمرار على المشاركة وحب الرياضة. لمست ذلك خلال تعاوننا في تدريب فريق الكابادي، وأثبتت جدارتها لاحقاً في بطولات ألعاب القوة، ما أهلها لعضوية الاتحاد العربي للرياضات الشعبية التقليدية”.

وتختصر ملاك الطائي تجربتها بقولها: “المرأة الميسانية قوية وقادرة على فعل الكثير، رغم العادات والتقاليد. ما حققته لا يعني أنني وصلت إلى النهاية، فطموحي ما زال يكبر، والطريق أمامي لم ينتهِ بعد”.
أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).



