مبادرة شبابية في بغداد تعزز ثقافة النظافة

مهدي غريب – بغداد
في صباح عادي من أيام بغداد، وقف قتيبة صباح أمام أحد جسور المشاة، مطلاً على أكوام من البلاستيك والأوراق والعلب الفارغة التي تراكمت على الأرصفة وأسفل الجسر. لم يحتمل أن يمر المشهد دون أن يتوقف عنده، فقرر أن يفعل شيئاً بدل الاكتفاء بالمشاهدة. لم يكن يمتلك أدوات خاصة، سوى قفازات وكيس نفايات، لكنه بدأ بتنظيف المكان بهدوء، واضعاً أولى خطوات مبادرة ستتوسع لاحقاً.
خلال الأيام الأولى، كان قتيبة يعمل بمفرده، يلتقط كل قطعة بلاستيك وكل غلاف مرمي عشوائياً. كانت نظرات المارة تتفاوت بين الاستغراب والابتسام، وبعضهم كان يسأله عن سبب قيامه بهذا العمل. وكان جوابه بسيطاً: “لأن المكان لنا، ولأننا نستحق مدينة أنظف”.

مع مرور الوقت، قرر قتيبة توثيق ما يقوم به عبر صورة نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي. لم يكن يتوقع أن تلقى هذه الخطوة تفاعلاً ملحوظاً، إذ بدأ عدد من الشباب بالتواصل معه، معبرين عن رغبتهم بالمشاركة. بعد أيام قليلة، انضم أول متطوعين اثنان، ثم ثلاثة، ثم عشرة، لتتحول المبادرة الفردية إلى موعد أسبوعي ثابت لتنظيف الشوارع وجسور المشاة في مناطق مختلفة من بغداد.
يقول قتيبة صباح وهو يلمم أكوام البلاستيك: “كنت أمشي على الرصيف بجانب جسر المشاة، أرى عبوات البلاستيك والأوراق، شعرت بالإحباط. قررت أن أفعل شيئاً، حملت كيس النفايات وبدأت بجمع كل شيء. شعور غريب بالمسؤولية يملأ قلبي، كأن هذه اللحظة تتطلب أن أبدأ التغيير بنفسي”.
ويضيف صباح أن البداية لم تكن سهلة، إذ كان العمل الفردي مرهقاً، كما أن التفاعل المجتمعي في الأيام الأولى كان محدوداً. لكنه يؤكد أن نشر صورة بسيطة على وسائل التواصل كان نقطة تحول، حيث بدأت مشاركة الشباب تتوسع، وأصبح العمل جماعياً بعد أن كان جهدًا شخصياً.
مع مرور الوقت، وصل عدد المشاركين في المبادرة إلى أكثر من عشرين متطوعاً ومتطوعة، وتوزعت المهام بينهم لتنظيف الأرصفة وجسور المشاة. ومع اتساع الفريق، بدأ العمل يكتسب طابعـاً تنظيمياً أكثر وضوحاً، إذ أصبحت الحملات أكثر انتظاماً، وترافقها أحاديث مع المارة حول أهمية الحفاظ على النظافة العامة.

تقول سارة عبد الله، وهي إحدى المتطوعات في فريق قتيبة للنظافة، إنها انضمت للمبادرة بدافع الرغبة في القيام بشيء ملموس يخدم بيئة المدينة. وتوضح أن العمل في بدايته كان بسيطاً ومحدوداً بجمع القمامة، لكن مع مرور الأسابيع شعرت بأن هناك تغيرـاً في نظرة الناس، وخصوصاً الأطفال الذين بدأوا يقلدون المتطوعين في سلوكهم.
تشير بيانات وزارة البيئة العراقية وأمانة بغداد إلى أن العاصمة تنتج ما بين ثمانية آلاف وعشرة آلاف طن من النفايات الصلبة يومياً، بمعدل يزيد على كيلوغرام واحد للفرد في اليوم الواحد، في ظل محدودية واضحة في أنظمة الفرز وإعادة التدوير، ما يشكل ضغطاً كبيراً على البنية التحتية والخدمات البلدية.
وبحسب تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة، فإن جزءاً كبيراً من النفايات في المدن العراقية ينتهي في الشوارع أو في مكبات غير نظامية، كما يسهم حرق النفايات في الهواء الطلق بارتفاع معدلات تلوث الهواء، الأمر الذي ينعكس سلباً على الصحة العامة، لا سيما في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية.

في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى مبادرات شبابية ومجتمعية تسهم في نشر الوعي البيئي، وتعزز ثقافة النظافة، وتدعم فكرة إعادة التدوير بوصفها حلاً مستداماً يخفف من حجم الأزمة.
يرى الناشط البيئي كريم الخزرجي أن مبادرة قتيبة صباح تمثل أنموذجاً يمكن البناء عليه في العمل البيئي التطوعي. ويوضح أن هذه المبادرة لا تقتصر على تنظيف الشوارع وجسور المشاة، بل تسهم في نشر وعي بيئي حقيقي من خلال الحضور الميداني والتواصل المباشر مع المجتمع.
تأتي هذه المبادرة في ظل تزايد مشاكل النفايات في بغداد، حيث تشهد العديد من المناطق تراكماً مستمراً للمخلفات. ويشير متابعون للشأن البيئي إلى أن مثل هذه الأنشطة التطوعية يمكن أن تسهم في لفت الانتباه إلى قضية النظافة العامة، وتحفيز النقاش حول دور الأفراد في الحفاظ على البيئة.
يقول المتطوع عمار حيدر إنه قرر الانضمام إلى الفريق بدافع الرغبة في المشاركة بنشاط ميداني مرتبط ببيئة المدينة. ويضيف أن التجربة أتاحت له التعرف على آليات العمل التطوعي الجماعي، ومتابعة كيفية تنظيم حملات التنظيف والتعامل مع النفايات بشكل مباشر.
من جانبه، يوضح مؤسس المبادرة قتيبة صباح أن العمل التطوعي واجه تحديات تتعلق بالاستمرارية وتفاعل المجتمع، مشيراً إلى أن المبادرة ما تزال في طور التطور. ويختتم بالقول إن “الهدف الأساسي يتمثل في معالجة مظاهر التلوث المرئية، وفتح المجال أمام مشاركة أوسع من المهتمين بالشأن البيئي داخل بغداد”.


