قصص من الشارع

نهر دجلة.. مبادرة نسوية تطوعية في مواجهة التلوث وتحسين الواجهة البيئية لبغداد

19/02/2026

يمثّل نهر دجلة شرياناً حيوياً في بغداد وذاكرةً حضاريةً عريقة، إلا أن ضفافه شهدت في السنوات الأخيرة تراكماً للنفايات أثّر في البيئة وصحة السكان. في هذا السياق، انطلقت مبادرة تطوعية بدعم منظمة محلية لتنظيف الضفاف وإعادة إحيائها كواجهة بيئية تليق بالمدينة.

مهدي غريب – بغداد

في صباح أحد أيام الأسبوع، وعلى ضفاف دجلة وسط بغداد، تجمّعت المتطوعات والأهالي وعدد من الناشطين الشباب في مجموعات منظّمة تُجهّز معداتها البسيطة من قفازات وأكياس بلاستيكية وعربات لنقل المخلفات.

المشهد العام على الأرض يعكس جهداً جماعياً منظّماً؛ متطوعات يلتقطن زجاجات البلاستيك، وأخريات يجمعن العلب المعدنية المتروكة على الأرصفة المتربة للضفاف، ويتخلّل العمل حوارات سريعة حول حجم التلوث الذي يشهده النهر وما يحتاج إليه للحفاظ عليه.

شذى صبيح، ناشطة في الحملة، تحدثت عن الدافع الذي دفعها للمشاركة قائلة: “النفايات المتراكمة على ضفاف دجلة ليست مجرد منظر قبيح، بل تهديد بيئي حقيقي. البلاستيك الذي تبتلعه الطيور والحيوانات المائية لا يختفي، بل يتحول إلى سموم تدخل في السلسلة الغذائية… نحن هنا لأننا نريد أن يرى أطفالنا نهر دجلة كما كان في ذاكرة بغداد”.

تأتي هذه الجهود التطوعية في ظل واقع بيئي مؤلم للنهر، إذ تسير المياه وسط بغداد محمّلة بمخلفات الصرف الصحي والنفايات المنزلية ومياه صناعية غير معالجة. وقد ذكرت وزارة البيئة في العراق أن نحو 1,500,000 متر مكعب من المخلفات السائلة تُلقى في نهر دجلة في بغداد يومياً من مصانع ومحطات كهرباء ومستشفيات، ما يستدعي وقفة جادة لمعالجة هذا الوضع.

وتُظهر الإحصاءات الأخيرة المتعلقة بجودة مياه النهر مستويات مرتفعة من المواد الذائبة والملوثات، إذ تتراوح قراءات المواد الصلبة الذائبة بين 678 و787 ملغ/لتر، متجاوزة الحد المسموح به (500 ملغ/لتر) وفق معايير الصحة العالمية لمياه الشرب، كما تبلغ المواد الصلبة المعلّقة مستويات أعلى من الحدود المقبولة أيضاً.

خلال تنظيف الضفاف، التقينا آسيا مكطوف، ناشطة متطوعة، قالت: “ترى الآن أكوام البلاستيك والزجاجات والملابس القديمة… إنه مشهد يحزن القلب. هدفنا أن يبدأ الناس بإعادة تقييم علاقتهم بهذا الشريان الحيوي.” وأكدت آسيا أن الحملة لا تتوقف عند تنظيف يوم واحد، بل تتضمن خططاً تنظيمية لتكرار العمل بشكل دوري وتوعية الأسر والمدارس بالسلوكيات البيئية الصحيحة تجاه النهر.

سارة حسن، متطوعة من سكان منطقة الشواكة، جاءت في البداية لمشاهدة النساء وهن يباشرن تنظيف ضفاف دجلة، فتأثرت بمشهد التكاتف والعمل الجماعي. تقول: “رأيت كيف تعمل النساء بروح التعاون، فشعرت بأن عليّ أن أشارك وأن يكون لي دور في هذه المبادرة البيئية المهمة”.

وتضيف مبتسمة: “انضممت إليهن فوراً وشاركت في تنظيف الضفاف، لأنني أؤمن أن جهودنا المشتركة تعكس صورة جميلة لبغداد وتعيد للنهر رونقه”.

ليث الساعدي، ناشط بيئي كان من أوائل الواصلين، قال: “اليوم نرى دجلة كأنه مرآة تعكس صورة بغداد، وهذه الصورة لن تكون جميلة ما لم نتحرك نحن كمواطنين أولاً”.

وأشار الساعدي إلى أن الهدف لا يقتصر على النظافة الشكلية، بل يمتد إلى بناء وعي مجتمعي بأهمية النهر بوصفه جزءاً من هوية المدينة وثقافتها.

ومن بين السكان الذين توافدوا إلى الموقع عدد من أهالي المناطق القريبة من النهر، أبدوا انزعاجهم من الحالة البيئية الحالية. أحدهم، سامي من منطقة الشواكة، قال: “حين أخرج مع أطفالي للتنزّه قرب المياه أجد الروائح الكريهة والقمامة. نعلم أن المشكلة ليست بسيطة، لكن مبادرات كهذه تفتح نافذة أمل”.

وتحدثت عدة أسر عن المخاوف الصحية، إذ يشكو الأهالي من تزايد الأمراض الجلدية والمعوية لدى الأطفال، خصوصاً في شهور الصيف، نتيجة انخفاض مستويات المياه وتراكم الملوثات في القنوات المائية القريبة من مساكنهم، وهو ما ربطت به تقارير طبية سابقة ارتفاع حالات الأمراض المرتبطة بالتلوث المائي في مجتمعات عراقية مختلفة.

وبحسب خبراء بيئة، فإن أسباب تلوث نهر دجلة متعددة ومعقدة، من أبرزها تصريف مياه المجاري غير المعالجة ومياه الصرف الصناعي من المصانع، فضلاً عن المخلفات الطبية من المستشفيات ومزارع تربية الأحياء المائية غير المنظمة. وفي بغداد لا تتجاوز نسبة المعالجة الفعلية للمياه المتدفقة إلى النهر حداً محدوداً مقارنة بحجم التصريف الكلي، وفق دراسات محلية متعددة.

كما يسهم انخفاض منسوب المياه في تفاقم الأزمة نتيجة عوامل عدة، منها تصاعد الجفاف وتراجع الأمطار، والاستخدام المكثف للمياه في الزراعة، وإنشاء سدود في منابع النهر خارج العراق، ما يقلل كمية المياه الواصلة إلى العاصمة. وقد أظهرت بعض التقارير انخفاض تدفق المياه بنسبة تصل إلى نحو 33% خلال العقود الماضية بفعل هذه العوامل.

وتؤكد هذه المعطيات أن نهر دجلة لا يعاني من تلوث بمخلفات صلبة وسائلة فحسب، بل يواجه أيضاً أزمة مائية تتجلى في انخفاض مستوى المياه وتراجع جودة الحياة البيئية المحيطة به.

المتطوعات في حملة “بغداد أجمل” لم يكتفين بجمع النفايات فقط، بل ناقشن مع ممثلي منظمات المجتمع المدني والفاعلين المحليين ما يحتاجه النهر فعلياً. ومن أبرز ما طُرح إنشاء محطات معالجة حديثة قادرة على تغطية احتياجات بغداد وتقليل التصريف غير المعالج في النهر، وفرض نظام رقابة فعّال على المصانع والمزارع الصحية لمنع إلقاء النفايات والمياه السامة.

كما طُرحت ضرورة إطلاق حملات توعية مجتمعية مستمرة لتغيير السلوكيات المرتبطة بإلقاء النفايات وعلاقتها بصحة البيئة، إضافة إلى إشراك المدارس والجامعات في برامج تعليمية تُعنى بالحفاظ على الموارد المائية.

وتأتي هذه المقترحات في وقت يشهد فيه النهر تدهوراً بيئياً ملموساً يهدد ليس البيئة فحسب، بل الصحة العامة للأهالي المستفيدين من مياهه، سواء في الزراعة أو الشرب أو الأنشطة الاجتماعية المرتبطة بالمساحات الخضراء والمناطق الترفيهية.

وفي نهاية اليوم عادت آسيا مكطوف إلى ضفاف النهر، تنظر إلى المكان الذي ساهمت مع بقية المتطوعات في تنظيفه بابتسامة رضا، قائلة: “كم هو جميل أن نشعر نحن النساء أننا جزء من هذه المبادرة، وأن يكون لنا دور فعلي في كنس ضفاف دجلة وتحسين وجه بغداد”.

وختمت كلامها بالقول: “هذه الحملة لم تكن الأولى، وستكون امتداداً لمبادرات قادمة، وسنستمر قدر الإمكان في تنظيف النهر وإعادة صورته بأبهى شكل”.

أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali