قصص من الشارع

رمضان والعمل المنزلي: نساء يخلقن دخلاً من الفوانيس والشموع

09/03/2026

أفاطم سمير – بغداد

قبل أيام من حلول شهر رمضان، جلست فرح (36 عاماً) أمام طاولتها الصغيرة في بيتها ببغداد، محاطة بالفوانيس والفناجين الملونة وأدوات الرسم اليدوي. كل قطعة تحمل لمسة شخصية تحاكي دفء الشهر الفضيل.

في أول تجربة عمل لها، فوجئت بطلب غير متوقع: فانوس كبير جداً يحمل أسماء الله الحسنى، أكبر من أي قطعة صنعتها سابقاً. كانت تخشى الفشل، لكن بساعات من التركيز والعمل المتواصل، نجحت في إنجازه، لاقى إعجاب الزبون ومنحها دفعة قوية من الثقة لتطوير مشروعها اليدوي.

تقول فرح: “الزبائن يحبون (الهاند ميد) لأنه قطعة شخصية، وكل تحدٍ أواجهه يجعلني أتعلم وأتطور”.

تجربة فرح ليست استثناءً، بل تعكس واقعاً أوسع لنساء كثيرات في العراق يحوّلن رمضان إلى فرصة للعمل وتنشيط الاقتصاد المنزلي، من صناعة الفوانيس والشموع المعطرة إلى البخور والمباخر الرمضانية، في منازل تتحول إلى ورش صغيرة تمكّن النساء من العمل والإبداع بعيداً عن ضجيج الأسواق.

العمل من المنزل أصبح خياراً واقعياً للعديد من النساء، خاصة اللواتي يسعين لتحقيق دخل إضافي دون التخلي عن مسؤولياتهن الأسرية، إذ يُتيح هذا النوع من العمل استثمار المهارات والهوايات الشخصية، من صناعات يدوية إلى تقديم خدمات عبر الإنترنت أو التسويق عبر منصات التواصل الاجتماعي، مع إمكانية تنظيم الوقت بما يتناسب مع الحياة الأسرية.

فرح أم لثلاثة أطفال، لكنها لم تسمح لمسؤولياتها أن توقفها عن ممارسة هوايتها وتحويلها إلى مصدر دخل لعائلتها.

قبل أسابيع من حلول رمضان، بدأت بإعداد تصاميمها من الفوانيس والفناجين المزينة بالستراس، محاولة تمييز منتجاتها عن القطع الجاهزة في السوق. تصاميمها مستوحاة من التراث العراقي، لكنها تضيف لمساتها الخاصة التي تمنح كل قطعة شخصية وحساً فريداً، ما يجعلها مرغوبة لدى الزبائن الباحثين عن شيء مختلف يُعبر عن أجواء الشهر.

من بغداد إلى النجف،تواصل نساء أخريات تحويل شغفهن المنزلي إلى مشاريع رمضانية صغيرة. كل قطعة تحكي قصة عمل وإبداع، وتمنح الأسرة دعماً اقتصادياً ملموساً خلال الشهر الفضيل.

روح (27 عاماً)، أم لطفلين وخريجة لغة إنجليزية، لم تجد فرصة عمل مناسبة، فقررت تحويل حبها للشموع إلى مشروع بسيط في بيتها. تقول روح: “الهدف الأساسي من مشروعي ليس الدخل المادي، بل شعور نفسي ومعنوي، وإشغال وقتي بشي أحبّه”.

مع اقتراب رمضان تتحسن المبيعات بشكل واضح، وتستمر روح في تلبية الطلبات خلال الشهر الفضيل، أغلبها من داخل النجف وبعضها يصل من خارج المحافظة. أكبر تحدٍ تواجهه هو التوصيل، خصوصاً أنها تعيش مع عائلة زوجها، فتواجه صعوبات في إيصال الشموع للمندوبين دون الاعتماد على أولادها.

تصاميم روح مستوحاة من أعمال شريكاتها على منصات مثل إنستغرام، لكنها تضيف لمساتها الخاصة مع التركيز على أشكال الهلال والنجوم المرتبطة ببهجة الشهر، سواء كزينة منزلية أو كهدية رمضانية، كما أعدّت “باكجات” خاصة للشركات، ما يعكس مهارتها في تنويع المنتجات بحسب السوق واحتياجات الزبائن.

تقول روح: “رمضان شهر له محبة خاصة في قلبي… والعمل على الشموع يضيف جو من الفرح والدفء لهذه الذكريات”.

حتى المواقف الصعبة، مثل وصول شمعة مكسورة للزبونة، لا تثنيها عن مواصلة العمل، فهي ترى في كل تحدٍ فرصة لتعلم مهارة جديدة وتحسين منتجاتها، مؤكدة أن الشعور بالرضا الشخصي أهم من أي مكسب مادي.

في منطقة السيدية في جانب الكرخ من العاصمة بغداد، اختارت أنوار (24 عاماً) أن تجعل من رمضان بداية مشروعها الصغير، فلم تنتظر رأس مال كبير أو تنظيم معقد، بل بدأت بخطوة بسيطة: 15 قطعة مباخر و15 نوعاً من البخور، حرصت على جودة جميع المنتجات وأسعار مناسبة، وبدأت بنشر منتجاتها عبر منتديات فيسبوك الخاصة بمناطق البياع والسيدية والتراث وحي الإعلام.

تقول أنوار: “رمضان كان التوقيت الأنسب للانطلاق، فالإقبال على البخور والمباخر يزداد مع دخول الشهر، حيث تبحث العائلات عن روائح تعبّر عن أجواء “اللمة” والزيارات والسهرات الرمضانية”.

وبالفعل، شهدت منتجاتها انتعاشاً ملحوظاً منذ الأيام الأولى، إذ قدر الزبائن جودة البخور وتنوع أنواعه، واقتُطع من القطع التي عرضتها نصيب كبير من المبيعات.

ورغم أن التوصيل حالياً يقتصر على المناطق القريبة، فإنها ترى في ذلك خطوة أولى يمكن البناء عليها، وتخطط لتوسيعه مستقبلاً مع زيادة الطلب.

تقول فرح بابتسامة تختصر رحلة أسابيع من المحاولة: “لم أكن أخطط لمشروع كبير، ولم أنتظر ظروفاً مثالية، بل بدأت بما أحب وتركت لبقية التفاصيل أن تتشكل مع الوقت”.

بين ألوان الزجاج ولمعان الستراس ورائحة البخور، تتحول البيوت إلى ورش صغيرة تنبض بالحياة، حيث يمكن لفرصة بسيطة في شهر واحد دعم أسرة، ومنح امرأة ثقة أكبر بقدرتها على البدء من جديد.

وتختم فرح حديثها بنصيحة للنساء: “أشجع الجميع على العمل بما يحبون، ويعتبرونه هواية، وسيجدون أنه مصدر رضا حقيقي، والأهم أن يكون العمل بالحب لا بالمادة”.

أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali