المنصة – هورامان – سلام هاندني
تشكل الجولة الثانية من الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بداية مرحلة جديدة من الصراع الإقليمي، مرحلة مليئة بالتحولات واحتمالات التوسع. وتختلف هذه المرحلة عن حرب الاثني عشر يوماً السابقة في تأثيرها على المناطق الحدودية الكردية، إذ أصبحت عمليات القصف أقرب نسبياً إلى المناطق المأهولة بالسكان، وانقطع تواصل السكان مع أقاربهم في الجانب الآخر من الجبال.
وتعيش مدينة حلبجة القريبة من حدود شرق كردستان، وهورامان المحاذية للحدود الإيرانية، حالة من القلق والترقب. فالقرب الجغرافي من مدن وبلدات إيرانية مثل باوة، نوسود، هورامان تخت، دزلي ومريوان، جعل سكان المنطقة يشعرون بأنهم قريبون من أجواء الحرب، خاصة أن هذه المناطق تتعرض بشكل متكرر للقصف بالطائرات المسيّرة والصواريخ من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل.
في السادس من شهر آذار (مارس)، استهدفت إيران في البداية بالقذائف ثم بالطائرات المسيّرة عدداً من أبراج الاتصالات وخطوط الإنترنت في حلبجة. وكانت هذه الأبراج تقع على قمة جبل بفري ميري، وكانت شبكة الإنترنت التابعة لها تصل إلى بعض المدن الحدودية داخل إيران. لذلك قامت الأخيرة بقصفها وتعطيلها لمنع وصول الشبكة إلى تلك المدن. وأسفر القصف عن تدمير الأبراج، إذ نجا اثنان من العاملين هناك بأعجوبة.
وأظهر مقطع فيديو حصلت عليه المنصة ميديا قيام عدد من حراس الأبراج الحدودية بتوثيق لحظات من الحادثة أثناء وجودهم في مواقع عملهم. ويظهر في التسجيل بوضوح أن الحراس خرجوا مسرعين من البرج وبدأوا بالفرار، في حين سُمع دوي ثلاث قذائف انفجرت بالقرب منه، ما يعكس حالة من التوتر والاضطراب الأمني الذي شهدته المناطق الحدودية الكردية المحاذية لإيران.
وتشير متابعة الوضع إلى أن انقطاع خطوط الاتصالات في إيران ترك تأثيراً مباشراً على الحياة الاجتماعية في المناطق الحدودية. فالكثير من سكان إقليم كردستان وجنوب كردستان وشرقها تربطهم علاقات عائلية واجتماعية وثيقة، نشأت عبر وحدة اللغة والمصاهرة والتجارة الحدودية بين الأكراد من الجانبين. ولهذا فإن قطع الإنترنت في إيران، إلى جانب القصف المستمر، ولّد حالة من القلق بين سكان المناطق الحدودية.
وبسبب ذلك يضطر سكان حلبجة وهورامان ليلاً ونهاراً إلى الصعود إلى المناطق المرتفعة مثل بيارة ومرتفعات سوسة، حيث تصل هناك تغطية شرائح الاتصال الإيرانية التي يحاولون من خلالها التواصل مع أقاربهم داخل إيران، حيث يقصد العشرات من الأشخاص هذه المرتفعات يومياً للاطمئنان على عائلاتهم.
يقول مريوان نظير، وهو من سكان بلدة خورمال، ويجري اتصالاته مع عائلته من مرتفعات سوسة: “قطعت إيران خدمة الإنترنت، والوضع هناك سيئ جداً. نحن نعيش هنا في قلق دائم ولا نعرف شيئاً عن أخبار أقاربنا”.
كما أن هذا القلق يزداد بين النساء والعائلات التي لها صلات مباشرة داخل إيران. تقول لميعة محمد، وهي كردية إيرانية تزوجت من كردي عراقي وتعيش في منطقة حدودية قريبة من حلبجة: “مضى على زواجي عشر سنوات، وأنا أقيم قرب حدود حلبجة، لكن منذ عدة أيام لا أعرف شيئاً عن أمي ولا عن إخوتي وأخواتي، وقلقي عليهم لا يفارقني”.
وأضافت أنها تمكنت مرة أو مرتين فقط من الاتصال من مرتفعات بيارة، حيث أخبرها أقاربها بأن سكان مدينتي باوة ومريوان يعيشون تحت خوف مستمر من القصف.
وخلال اليومين الماضيين سقط أيضاً صاروخ في منطقة نورول على حدود محافظة حلبجة، من دون أن يسبب أضراراً، إذ قامت القوات الأمنية بجمع بقايا الصاروخ، فيما لم يُعرف مصدر إطلاقه.
اقتصادياً، شهدت أسواق المنطقة الحدودية حالة ركود واضحة. فقد تراجعت الحركة التجارية في الأسواق والمحلات بشكل كبير نتيجة استمرار التوترات، وغياب السياح، وارتفاع أسعار السلع والمواد الغذائية الأساسية، إضافة إلى تأخر صرف رواتب الموظفين. وتشير المعلومات إلى أن كثيراً من المحال باتت خالية من الزبائن، مع انخفاض ملحوظ في عمليات البيع، حتى إن بعض التجار يؤكدون أن “لا شيء يُباع”.
من جهة أخرى، تركت الحرب تأثيراً اقتصادياً مباشراً على الأسواق والحياة اليومية في المناطق الحدودية. يقول ناصح لطيف، وهو تاجر يعمل في ناحية بيارة: “أنا أعمل في منطقة حدودية في منفذ تَويلة وأستورد البضائع. لكن منذ عدة أيام أُغلقت الحدود بسبب الحرب، ولم تعد الشاحنات تدخل إلى المناطق الحدودية الكردية في الجانب العراقي”.
ويضيف أن معظم المواد الغذائية والبضائع في أسواق المنطقة تأتي من إيران، ولذلك أدى إغلاق الحدود إلى ارتفاع الأسعار بشكل مباشر. فعلى سبيل المثال، كان سعر علبة زيت الطعام سعة خمسة كيلوغرامات يُباع سابقاً بنحو تسعة آلاف دينار، بينما وصل الآن إلى (14) ألف دينار في أسواق الإقليم.
وفي الوقت نفسه، برزت أزمة الوقود كإحدى أبرز المشكلات التي تواجه سكان المناطق الحدودية في حلبجة وهورامان. فأسواق هذه المناطق كانت تعتمد بدرجة كبيرة على الوقود المستورد من إيران، خصوصاً البنزين والنفط، الذي كان يصل غالباً عبر التهريب وبجودة جيدة وأسعار أقل. إلا أن توقف هذه الإمدادات بسبب الأوضاع الأمنية والقيود الحدودية أدى إلى ارتفاع الأسعار ونقص الوقود في المناطق الحدودية.
كما انعكس هذا الوضع على القطاع السياحي، إذ تُعد حلبجة وهورامان من المناطق السياحية المهمة التي تستقبل يومياً عشرات الزوار من مدن إقليم كردستان وبقية مناطق العراق وحتى من خارج البلاد. غير أن التوترات الأخيرة ومخاوف السكان والزوار أدت إلى توقف شبه تام لحركة السياحة منذ نحو خمسة عشر يوماً، ما ترك أثراً مباشراً على الأسواق والحياة الاقتصادية في المنطقة.
ويعكس هذا الوضع حقيقة أن الحروب الإقليمية لا تقتصر آثارها على الجانب العسكري فقط، بل تمتد لتشمل الحياة الاجتماعية والعلاقات العائلية والأنظمة الاقتصادية في المناطق الحدودية.
وفي المحصلة، يعيش سكان حلبجة وهورامان اليوم بين واقعين متداخلين؛ فمن جهة هم قريبون من الحدود ومناطق القصف، ما يعرضهم للخطر أثناء القصف اليومي، ومن جهة أخرى تربطهم علاقات اجتماعية وعائلية عميقة مع سكان المدن الإيرانية المجاورة. وهذا ما يجعلهم ليسوا مجرد شهود على الحرب، بل متأثرين بشكل مباشر بتداعياتها السياسية والعسكرية على حياتهم اليومية.
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.







