قصص من الشارع

رمضان في الأهوار.. موائد تتنقل بين البيوت عبر الزوارق

16/03/2026

ذي قار- مرتضى الحدود

مع اقتراب غروب الشمس فوق مياه الأهوار، تجلس عائلة أبو محمد في بيتٍ من القصب على ضفاف هور أبو سوباط. تتولى الأم وبناتها إعداد مائدة الإفطار، بينما يقف الأب مع ابنه قرب الماء يراقبان اختفاء قرص الشمس، بانتظار لحظة إعلان الإفطار.

في هذه المنطقة يبدأ الإفطار غالباً بالشاي والتمر، لكن العادة الأبرز هي تبادل الطعام بين البيوت. يُعدّ طبق مما تيسّر من الطعام، ثم يُنقل عبر زورق صغير إلى بيت قريب، سواء كان بيت خال أو عم أو جار. هذه العادة ما زالت مستمرة بين سكان الأهوار، حيث يتبادل الأهالي الأطباق مع حلول وقت الإفطار.

ولا تكتمل المائدة عادة من دون السمك أو الدجاج، وهما من الأطعمة الأساسية في المنطقة. لكن تراجع منسوب المياه في السنوات الأخيرة أثّر على توفر السمك، الذي كان يُصطاد بسهولة من الهور في السابق، ما جعل حضوره على المائدة أقل مما كان عليه في الماضي.

عند ضفاف الهور يقف أبو محمد، وهو رجل في الأربعين من عمره، يحمل طفلته الصغيرة على كتفه بينما يتابع غروب الشمس. 

يقول أبو محمد إن “عادتنا ما زالت كما هي، نُعدّ المائدة بما يتوفر لدينا من طعام. الإفطار بسيط، لكننا نجتمع حوله كعائلة”، ويضيف أن “الأطباق تصلنا أيضاً من بيوت الأقارب أو الجيران، وهذه عادة قديمة توارثناها ولن نتركها”.

المائدة بالنسبة لأبي محمد ليست مجرد طعام، بل مساحة للتقارب وتبادل المودة. الأطباق المتنقلة بين البيوت عبر الممرات المائية أو الطرق الترابية تختصر حكاية مجتمع يرى في المشاركة بركة، وفي التواصل صلة لا تنقطع. الأطفال يترقبون قدوم الطبق “الضيف”، والنساء يتبادلن الأحاديث والدعوات، بينما يستعد الرجال لوجهتهم التالية بعد الإفطار.

ويكمل أبو محمد حديثه قائلاً إن “بعد الإفطار بساعة تقريباً أتجه دائماً إلى مضيفنا الرئيسي في المنطقة. هناك يجتمع الرجال، نتبادل الأحاديث ونسأل عن أحوال بعضنا، ثم نستمع إلى مجلس ديني فيه وعظ وإرشاد. هذا الأمر حاضر في كل عام خلال شهر رمضان، وكأنه جزء من روح الشهر نفسها. نبقى لبعض الوقت، ثم نعود إلى منازلنا من دون أن نتأخر، فلكل بيت سكينته وانتظاره”.

يعود أبو محمد بذاكرته إلى أيام والديه، تتغير نبرة صوته، كأنه يستحضر زمناً أكثر بساطة. يكشف أن توقيت الإفطار لم يكن يُقاس بساعات معلّقة على الجدران أو بتطبيقات الهواتف، بل بعلامات من الطبيعة. 

يروي ضاحكاً إن “أبي وأمي كانا يعتمدان على غياب قرص الشمس وعلى حركة الدجاج”، ثم يشرح العبارة التي لا تزال تتردد على ألسنة الكبار: “إذا جلج الدجاج فوك البيوت”، أي عندما يصعد إلى أماكن نومه ويهدأ، فيكون ذلك إيذاناً بدخول الليل.

وتُعد قرية أبو سوباط في قضاء الجبايش واحدة من المناطق البيئية المتفردة في أهوار ذي قار، إذ ما زالت تحتفظ بمسطحاتها المائية رغم موجات الجفاف التي طالت مناطق واسعة من الأهوار في السنوات الأخيرة. 

وتقع القرية على مسافة نحو 90 كيلومتراً شرقي مدينة الناصرية، وتمثل نموذجاً يعكس البيئة الطبيعية والثقافية للأهوار العراقية. وقد باشرت الحكومة المحلية إجراءات ترشيحها ضمن مبادرة أفضل ألف قرية سياحية في العالم التي أطلقتها منظمة السياحة العالمية التابعة للأمم المتحدة لتعزيز التنمية الريفية والسياحة البيئية. 

وفي هذا السياق، أوضح معاون محافظ ذي قار رزاق العلي أن لجنة متخصصة تعمل على استكمال متطلبات ترشيح القرية ضمن مبادرة اختيار أجمل القرى السياحية في العالم، مشيراً إلى أن هذه الخطوة يمكن أن تسهم في دعم السياحة البيئية في المنطقة.

أما أم محمد فتتحدث عن وقت إعداد الإفطار، الذي يبدأ عادة منذ الثالثة بعد الظهر. تجلس مع ابنتها الصغيرة في بيتها البسيط القريب من الماء، فيما يتحلّق الأطفال حولهما. تشعل التنور الطيني بيديها، وتقسّم وقتها بين إعداد ما تيسّر من الطعام وترتيب تفاصيل المائدة. تقول بابتسامة هادئة إن “نُحضّر أي شيء موجود… سمك إن توفر أو دجاج، المهم أن يكون من خير الله”.

تدسّ أرغفة العجين داخل التنور فتنتفخ سريعاً وتخرج خبزاً حاراً تفوح منه رائحة الطين والنار، تضعه جانباً إلى جوار اللبن الطازج الذي لا يغيب عن مائدتهم، ثم تتابع إعداد بقية الأطباق في بيتها الصغير.

وقبيل أذان المغرب بقليل، تجهّز طبقاً صغيراً وترسله إلى أقاربها القريبين. تقول وهي ترتب طرف عباءتها إن “نحن هنا أربعة منازل تقريباً وكلنا أقارب، ولا بد أن نشارك بعضنا… هذه بركة الشهر”. تتنقل الصحون بين البيوت القليلة كما لو كانت رسائل محبة صامتة، تؤكد أن القرب لا يُقاس بالمسافة فقط، بل بالمشاركة أيضاً.

وحين يحين وقت الإفطار تبدأ العائلة بالتمر واللبن في هدوء يسبق الصلاة. تؤدي الأسرة صلاتها أولاً، ثم تعود لتكمل طعامها. غالباً ما يكون الإفطار داخل “الصريفة”، حيث يظللهم السقف المصنوع من القصب بحميمية المكان، أما إذا كان الجو معتدلاً فيخرجون إلى الهواء الطلق، يجلسون تحت السماء المفتوحة ويتناولون طعامهم على ضوء الغروب ونسمة المساء.

السمك المشوي هو الوجبة المفضلة لدى أم محمد، وأحياناً تعدّ ما يُعرف محلياً بـ“الخشني”، بطعمه البسيط القريب من مذاق الماء والنار. تضحك وهي تقول إن رائحة الشواء وحدها كفيلة بأن تجمع أفراد الأسرة حولها قبل أن تناديهم.

ورغم بساطة الحياة في هذه المنطقة، فإن العادات الرمضانية ما زالت حاضرة بقوة؛ الاحترام والصلاة والصيام تفاصيل يومية لا تغيب. حتى الأطفال الذين لم يبلغوا السن الشرعي يحاولون الصيام، يقلّدون الكبار بحماس بريء، ويتعلمون معنى الصبر والانتماء منذ سنواتهم الأولى.

في بيت أبي محمد، كما في البيوت القريبة منه، لا يُعد رمضان مناسبة عابرة، بل عهد يتجدد مع كل غروب؛ عهد مشاركة لا تنقطع، وإيمان بسيط يشبه صفاء الماء حين يهدأ، وكرم يتوارثه الأبناء كما يتوارثون أسماءهم.

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali