قصص من الشارع

رمضان في بغداد: السّهر بين السحور.. والخوف

16/03/2026

مهدي غريب – بغداد 

 كان أبو مرتضى يجلس قرب مائدة السحور مع عائلته ينتظر الآذان، يتبادلون الحديث والابتسامات، قبل أن يقطع دويُّ انفجارٍ تلك اللحظة الهادئة.

لم تكن تلك الليلة مختلفة كثيراً عن ليالي رمضان الأخرى في بغداد. فالعاصمة العراقية اعتادت أن تبقى مستيقظة خلال هذا الشهر، السهر يمتد حتى الفجر، والعائلات تجتمع حول موائد السحور، بينما تتبادل الأحاديث وتستعيد ذكريات الأيام الماضية.

داخل منزل أبو مرتضى في أحد أحياء بغداد، كانت العائلة تستعد لتناول السحور. المائدة بسيطة، لكنها تحمل طقوساً يعرفها كل بيت بغدادي في رمضان، خبز ساخن، شاي، وبعض الأطباق الخفيفة التي تساعد على الصيام في اليوم التالي.

جلس الرجل الخمسيني مع زوجته وأطفاله، يتحدثون عن تفاصيل يومهم، وعن خطط زيارة الأقارب في العيد. كانت زوجته تحثهم على الإسراع في تناول الطعام قبل أن يقترب وقت الإمساك، بينما كان الأطفال يضحكون ويتبادلون المزاح.

لكن تلك اللحظات الهادئة لم تستمر. فجأة دوّى انفجار قوي هزّ المنزل، تبعه صوت تحطم الزجاج وتناثر بعض أجزاء السقف. للحظة ظن الجميع أنه زلزال أو انفجار بعيد، لكن سرعان ما تبيّن أن طائرة مسيّرة سقطت على المنزل.

يروي أبو مرتضى ما حدث، ولا تزال آثار الصدمة واضحة في صوته:

“والله إحنا چنا كاعدين على السحور، بس نحچي ونضحك. فجأة سمعنا صوت قوي كلش، البيت كله اهتز. ما لحگت أستوعب شنو صار، بس شفت زوجتي وابني مصابين”.

يقول إن لحظات من الفوضى والذعر عمّت المكان. الأطفال بدأوا بالبكاء، شظايا من صاروخ وقع على منزل أبو مرتضى. أصيبت زوجته وابنه بجروح بسبب الشظايا والزجاج المتناثر، وتم نقلهما بسرعة إلى المستشفى لتلقي العلاج.

يتوقف قليلاً ثم يضيف: “رمضان بالنسبة إلنا كان شهر هدوء ولمّة عائلة. هالسنة صار رمضان بطعم المسيرات والخوف”.

ليالي رمضان في بغداد لطالما عُرفت بالحياة والسهر. المقاهي تبقى مفتوحة حتى ساعات الفجر، والأسواق الشعبية تشهد حركة حتى بعد منتصف الليل، فيما يخرج الناس بعد الإفطار للتنزه أو زيارة الأقارب.

لكن بالنسبة لبعض السكان، أصبح السهر هذا العام مرتبطاً أيضاً بالقلق من أصوات الطائرات والانفجارات التي قد تقطع هدوء الليل في أي لحظة.

وفي حي الجهاد، القريب من مطار بغداد الدولي، تعيش عائلة أخرى حالة مختلفة من القلق خلال ليالي رمضان.

يقول أبو علي، وهو رب أسرة يسكن في المنطقة منذ سنوات، إن قرب منازلهم من المطار يجعلهم يعيشون توتراً دائماً، خصوصاً خلال الليل.

ويضيف “إحنا ساكنين بحي الجهاد، قريب كلش من مطار بغداد الدولي، كل ليلة تقريباً من تصير الساعة عشرة أو أحدعش بالليل، تبدي الطيارات الحربية الأمريكية تدور فوق المنطقة”.

ويتابع قائلاً إن تلك الأصوات أصبحت جزءاً من لياليهم، لكنها لا تزال تثير القلق في كل مرة يسمعونها فيها. “من نسمع صوت الطيارات نعرف أكو شي دا يصير. الأطفال يخافون، وحتى الكبار يصير عدهم توتر لأن ما ندري شراح يصير بعد”.

يشير أبو علي إلى أن القلق يتزايد أكثر بعد منتصف الليل، حين تبدأ أصوات القصف أو الضربات التي تستهدف محيط المطار.

“بعد نص الليل يبدي الضرب، مرات نسمع صوت القصف باتجاه المطار. بهاللحظة ما نعرف شنو ممكن يصير. نخاف صاروخ يطيح بالغلط على بيوتنا، أو مسيرة تسقط فوگ المنطقة”.

ويضيف أن الخوف لا يقتصر على جهة معينة، بل على أي شيء قد يحدث في تلك اللحظات.

“إحنا ما عدنا علاقة بأي شي، بس نخاف من كل الأطراف. يمكن مسيرة من فصيل عراقي، ويمكن شي تابع للقوات الأمريكية. بالنهاية إذا صارت ضربة قريبة، إحنا المدنيين أول ناس نتأذى”.

هذا القلق، كما يقول، يجعل كثيراً من العائلات تبقى مستيقظة حتى ساعات متأخرة، ليس فقط بسبب السحور، بل أيضاً بسبب الخوف من المفاجآت. “برمضان المفروض نسهر لأن عدنا سحور وعبادة، بس هسه مرات نسهر لأن ما نكدر ننام من الخوف”.

في الأحياء الأخرى من بغداد، تتكرر مشاعر مشابهة وإن بدرجات مختلفة. تعيش العائلات القريبة من مطار بغداد الدولي والمنطقة الخضراء خطراً دائماً مع تكرار سقوط الطائرات المسيّرة أو اقترابها من أحيائهم السكنية. 

ويقول سكان إن بعض هذه المسيّرات سقط داخل منازل أو بالقرب منها، ما أثار مخاوف كبيرة بين الأهالي الذين يقضون لياليهم بقلق وترقب لما قد يحدث خلال ساعات الليل.

 

هذا القلق دفع بعض العائلات إلى التفكير بمغادرة منازلها لفترة مؤقتة، خصوصاً في المناطق القريبة من مطار بغداد الدولي والمنطقة الخضراء. ويؤكد سكان أن الخوف لا يرتبط بجهة معينة، بل بأي صاروخ أو مسيّرة قد تسقط بالخطأ في مناطقهم، ما يجعل بقاءهم في تلك الأحياء مصدر توتر دائم.

يقول أحمد جاسم، وهو أحد سكان الحي الذي وقع فيه حادث منزل أبو مرتضى، إن السكان باتوا يتابعون الأخبار والأصوات في الليل أكثر من السابق. “إحنا متعودين نسهر برمضان، لكن قبل كنا نسهر على القعدة والحچي. هسه مرات نسهر لأن نخاف يصير انفجار أو شي قريب”.

أما أم علي، وهي إحدى جارات عائلة أبو مرتضى، فتتذكر لحظة الانفجار بوضوح.

“إحنا هم چنا قاعدين نتسحر، وفجأة سمعنا صوت انفجار قوي. طلعنا للشارع شفنا الناس تركض باتجاه بيت أبو مرتضى. چانت لحظات مخيفة كلش”.

وتضيف أن الأطفال في الحي ما زالوا يسألون عن الحادث حتى الآن. “الأطفال صاروا يخافون من أي صوت قوي بالليل. حتى إذا مرّت طيارة يقولون يمكن مسيرة”.

رغم كل ذلك، يحاول كثير من البغداديين التمسك بطقوسهم الرمضانية. فبعد أيام من الحادث، عاد أبو مرتضى إلى منزله ليبدأ بإصلاح ما يمكن إصلاحه.

يقف أمام باب منزله المتضرر ويقول “إحنا أهل بغداد تعودنا على الصبر. صحيح نخاف، بس نحاول نعيش حياتنا”.

في الأزقة القريبة، ما زالت رائحة الطعام الرمضاني تنتشر قبل الفجر، وما زالت بعض البيوت تستقبل الجيران لتبادل أطباق السحور. لكن خلف هذه التفاصيل اليومية البسيطة، يختبئ شعور دائم بالترقب.

 

فبغداد في رمضان تبقى مدينة لا تنام. لكن بالنسبة لبعض سكانها، لم يعد السبب السحور فقط، بل أيضاً خوفٌ يجعل الليل أطول مما ينبغي.

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali