رأي

من ذاكرة الاحتلال.. مذاق السبانخ يمتزج بأصوات المدافع في معركة "خان النص" بين كربلاء والنجف

08/04/2026

خلود العامري – موقع المنصة

قبل أيام، كنت أُعدّ مكاناً آمناً للبقاء داخل منزلي في بغداد ليومين، استعداداً لأي تسرّب إشعاعي قد يطال البلاد نتيجة الحرب الدائرة ضد إيران وتطوراتها الأخيرة. لكن ذاكرتي عادت إلى ذلك اليوم الذي كنت أهيّئ فيه مكاناً مماثلاً قبل 23 عاماً، حينما كنت أعيش في منزل عائلتي في كربلاء إبان الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003.

كان الوقت حينها في شهر نيسان، أي إن توقيت الحرب كان في الوقت ذاته، لكن الحربين مختلفتان تفصل بينهما سنوات طويلة. تذكرت حينما كنت أقص قطعاً من البلاستك المحكم، أو “النايلون” كما نسميه بلغتنا الدارجة، وأقوم بتغطية الشبابيك الخارجية في بيتنا القروي آنذاك، بعدما سمعنا في أخبار الراديو على هيئة الإذاعة البريطانية وراديو مونت كارلو آنذاك، أن القوات الأميركية قد تستخدم أسلحة كيمياوية إذا لم تتمكن من احتلال العراق عبر تقدمها البري.

وخوفاً من أي تسرّب إشعاعي نتيجة الحرب، أعددت غرفتين، واحدة للرجال والثانية للنساء، ليس لأن عائلتي كانت كبيرة جداً لدرجة أن غرفة واحدة لا تكفيها للاختباء من الإشعاع، بل لأن عائلة زوجة شقيقي نزحت من مدينة كربلاء للإقامة معنا، مثلما فعلت مئات العائلات التي كانت تقطن مركز المدينة آنذاك، عقب توارد أنباء عن زحف القوات الأميركية براً عبر الحدود السعودية باتجاه كربلاء والنجف.

الأهالي الذين كانوا يقطنون مركز المدينة لم ينزحوا في بادئ الأمر، وفضلوا البقاء في منازلهم، لكن حينما تقدمت القوات الأميركية البرية لاقتحام المدينة من الحدود السعودية، ودارت معركة ضارية في منطقة خان النص بين كربلاء والنجف استمرت ثلاثة أيام، غادر الكثيرون إلى القرى المجاورة للبقاء مع أقاربهم.

حينما كنت أحضّر الغرفتين وأغلق شبابيكيهما بشكل محكم وأغلّف فتحات الأبواب، كان نهار اليوم الثاني للمعركة قد بزغ. لم نتمكن من النوم في الليلة التي سبقته، كانت أصوات المدافع تخرق آذاننا وتمنعنا من النوم ليلاً، ثم هدأت الأصوات بعد العاشرة صباحاً، فعزمت على تهيئة مكان للاحتماء، لكن الأصوات عادت مجدداً عند غروب الشمس.

أنهيت تهيئة الغرفتين، وأحكمت تثبيت النايلون على الشبابيك والأبواب، وهذه الخطوة أشعرتني بالاطمئنان أكثر، فخبرتي في تحضير غرفة معزولة أخذتها عن والدي حينما ساعدته في تحصين غرفة مماثلة عام 1991، أثناء حرب الخليج الثانية. كنت أراقبه كيف يلف الشبابيك ويحصّن الأبواب فتعلمت منه، وبعد سنوات قمت بالمهمة لوحدي، لأن والدي رحل بشكل مفاجئ عام 1996 بنوبة قلبية.

كان اليوم الثاني للمعركة أكثر شدة، وكنت أشعر بإرهاق شديد بسبب عدم النوم، لأن أصوات المدافع والقصف عادت مجدداً بعد غروب الشمس واستمرت حتى الصباح، وطوال اليومين اللذين حدثت فيهما المعركة تلونت السماء باللون البرتقالي بسبب زحف الدبابات الأميركية فوق الرمال المتحركة، مما تسبب بعاصفة غبارية مستمرة طوال المواجهات.

تحركت سريعاً إلى المطبخ في ذلك اليوم لإعداد آخر وجبة عشاء أقوم بطبخها لـ24 شخصاً، هو مجموع عائلتي وعائلة زوجة أخي، قبل مغادرتي إلى بغداد في صباح اليوم التالي. لا أزال أذكر أنني طبخت السبانخ مع الرز، كانت القدور مليئة بالطعام مثلما كان المنزل مليئاً بالناس.

أكملت كل شيء قبل موعد صلاة المغرب، فمن عادة أهل القرى تناول الطعام بعد الصلاة مباشرة، ثم وضعت الراديو عند شباك المطبخ للاستماع إلى إذاعات مختلفة حول الحرب، ولا أعرف ماذا أصدق. كانت إذاعة الجمهورية العراقية تتحدث عن هزيمة كبيرة للقوات الأميركية في محاولات إنزال وحروب برية متفرقة، ثم تنقطع الإذاعة فجأة بسبب التشويش، فأبحث عن إذاعة أخرى لمتابعة سير الحرب.

دقائق معدودة مرت قبل أن نمد سفرة الطعام، واحدة للرجال والأخرى للنساء كما اعتدنا منذ أسبوعين. مددنا أيدينا للطعام، فبدأ ضجيج المدافع من جديد، وامتزج طعم السبانخ بالخوف وأصوات الحرب. أنهينا طعامنا، وقمت بتهيئة بعض الأغراض التي أحتاجها في سفري، وكنت أفكر في العودة في اليوم ذاته، لكن والدتي عارضتني مرتين؛ الأولى طلبت مني عدم الذهاب، فأخبرتها أنها ستكون المرة الأخيرة التي أزور فيها بغداد، ولن أذهب مجدداً حتى تنتهي الحرب، والثانية حينما قلت لها إنني سأعود ليلاً، فقالت: لا تعودي، اذهبي إلى بيت صديقتك إخلاص، في بيتها سأشعر بالاطمئنان عليك، وعودي غداً أو بعد غد حينما تنهين عملك.

انتهى حديثي مع والدتي، وبشكل مفاجئ تدخلت والدة زوجة أخي وقالت: لماذا تذهبين إلى هناك والمعارك دائرة ولا نعرف ماذا سيحدث؟ فقلت لها إنني لا أعرف شيئاً عن الجريدة ولا عن الجامعة منذ بداية الحرب، وسوف أتأكد من الاثنتين ثم أعود. لم أكن أعلم حينذاك أنني لن أعود إلا بعد نهاية المعركة وسقوط التماثيل.

جاء الصباح ثقيلاً بسبب قلة النوم. صحوت مبكراً وأعددت الإفطار، ثم تناولت فطوري قبل التوجه إلى كراج النقل العام. كان المسافرون قليلين، بعضهم طلاباً وبعضهم جنوداً وآخرون مسنون جاؤوا لزيارة المراقد المقدسة في المدينة رغم الخوف وأخبار المعارك الطاحنة. انطلقت السيارة بثلثي الركاب بعدما عقد السائق اتفاقاً مع الركاب بدفع أجرة أكثر لتعويض خسارته عن العدد الناقص.

لساعة ونصف، هي مسافة الطريق التي قطعها السائق بنا من كربلاء إلى بغداد، كان ذهني مشوشاً. ندمت على خروجي من كربلاء، خاصة وأن معركة خان النص لا تزال متواصلة لليوم الثالث على التوالي. كنت أفكر في أهلي، ماذا لو حدث مكروه لهم ودخلت القوات الأميركية قريتنا؟ ألم يكن من الأفضل أن أبقى كي أموت معهم؟ أنتفض على أفكاري بشكل مفاجئ وأقول في نفسي: “لا، لن يحدث ذلك، إنهم يريدون العاصمة ولن ينشغلوا بتلك المدينة التي يعتبر سكانها دخول القوات الأميركية إليها تدنيساً لقدسيتها”.

مرة أخرى أسرح بأفكاري، فيشتعل الصراع بداخلي: “ماذا لو أسقطوا بغداد ولم أستطع الخروج والعودة إلى أهلي؟”. سيناريوهات كثيرة كانت تزدحم في رأسي، توقفت فجأة حينما قال السائق بشكل مفاجئ: “وصلنا العلاوي، انزلوا هنا، ممنوع الدخول للكراج”.

نزلت وكنت أعرف وجهتي تماماً. توجهت إلى باب المعظم حيث الجريدة، وكنت أعمل حينذاك في جريدة الإعلام. وجدت المكان مفتوحاً وفيه اثنان فقط من زملائي، تحدثت معهم حول العمل، فنصحوني بالعودة إلى كربلاء وانتظار النتيجة. “إنها الحرب، ولا أحد يحاسب على الالتزام بالعمل من عدمه، المهم هو الحفاظ على حياتنا، ومعظم الزملاء غائبون”، قال أحد الزملاء معلقاً.

غادرت إلى الكلية في المجمع ذاته لأستفسر عن الدراسة. كان بعض الطلاب يغادرون مجمع الكليات في منطقة باب المعظم وسط بغداد القديمة، فيما كانت الكليات تعمل لساعات قليلة بنصف أو ربع كادرها. الجميع كانوا مرتبكين وخائفين وسط تضارب الأخبار.

في ذلك الوقت لم يكن الإنترنت متاحاً لنا كطلاب، ولا حتى للأساتذة في الجامعة، وكنت حينها أدرس في قسم اللغة الفرنسية بكلية اللغات بعدما أنهيت دراستي في كلية الإعلام. كنا نسمع عن الإنترنت ولا نراه، وخيار الهواتف المحمولة كان ضرباً من الخيال، فنحن لم نرَ جهاز “الثريا” الذي كان يستخدمه الصحفيون الأجانب للاتصال بوكالاتهم إلا بعد نهاية الحرب، بل وحتى أجهزة الهاتف الأرضي باتت خياراً صعباً بعد تدمير القوات الأميركية لأبراج الاتصالات في العراق، ولو كان أحد هذه الخيارات متاحاً لما تكلفت عناء المجيء.

أدركت أن الوضع بدأ يتأزم، ويجب أن ألتزم بالخطة، وقررت التوجه إلى بيت صديقتي مثلما أوصتني والدتي. ذهبت إلى كراج باب المعظم، كانت السيارات متوقفة والسائقون يبحثون عن ركاب بعدما قل عددهم بسبب الانقطاع عن العمل والدراسة في معظم مناطق بغداد. أخذت سيارة متوجهة إلى منطقة العامرية، ونزلت عند الزقاق المؤدي إلى منزل صديقتي في شارع المنظمة.

لأول وهلة، وجدت استنفاراً أمنياً في الشوارع، لكن الناس كانت تتنقل بحرية. مشيت بضعة أمتار قبل أن أصل إلى الباب، وبسبب الارتباك طرقت باب جارتهم “أم مضر”، وحينما فتحت السيدة الباب أدركت أنني عند الباب الخطأ. رحبت بي وفهمت أنني أخطأت المكان، كنت قد رأيتها مرتين في منزل صديقتي وتبادلنا السلام، فلم تنسني، وبعد السلام قالت: “ها تريدين خلوصة؟ الباب الثاني”. شكرتها وعدت لأطرق باب صديقتي التي استقبلتني بحفاوة.

للوهلة الأولى تبادلنا السلام وتحدثنا عن الوضع، وسألتني عن عائلتي فشرحت لها الأوضاع. قالت لي: ابقي هنا وارتاحي، وحينما تتحسن الأوضاع عودي إلى كربلاء ووالدي سيرافقك. في تلك الليلة التي قضيتها عند صديقتي تحدثنا كثيراً عن الدراسة وعن الأوضاع، وعن الامتحانات، وكنت أطرح عليها سؤالاً حول الامتحانات وهي تقول لي: “لما تنتهي الحرب نشوف”.

كان جسدي في بغداد، وعقلي وكل هواجسي في كربلاء. كانت تدور في رأسي تساؤلات عدة طوال الليل، وفي نهار اليوم الثاني قلت لوالدها، أو “خالي أبو إخلاص” كما أحب أن أناديه: أريد العودة إلى كربلاء، فقال إن الوضع صعب الآن ويجب أن أنتظر نتيجة الحرب، لأنه سمع أن القوات الأميركية وصلت إلى المسيب وتتجه إلى بغداد. نزل الخبر كالصاعقة على مسامعي، إذا كانوا وصلوا إلى هناك، فلا بد أنهم تجاوزوا كربلاء، فماذا حل بعائلتي؟

ساعات من الوساطة والحديث، لكنه رفض، ثم تدخلت إخلاص ووضعت شرطاً ليطمئن والدها: “اذهبي إلى مرآب العلاوي، وإذا لم تجدي سيارة تذهب إلى كربلاء فعليك أن تعودي وتبقي معنا حتى تنتهي الحرب. هل توافقين على شرط العودة الفورية حفاظاً على سلامتك؟”. وافقت دون تردد، وغادرت المنزل وأنا أظن أنني سأغادر إلى مدينتي، لكنني لم أصل في ذلك اليوم، بل عدت إلى بيت صديقتي، حيث سقطت بغداد بيد القوات الأميركية في الليلة ذاتها، ولم أرَ كربلاء إلا بعد أسبوعين من مغادرتي لها.

أما تفاصيل عودتي من مرآب العلاوي إلى منزل صديقتي في العامرية سيراً على الأقدام، والأيام الصعبة التي عشناها معاً بعد احتلال بغداد، فتجدونها في المقال التالي:

من ذاكرة الاحتلال: عشت في منزل صديقتي أياما صعبة والتقيت بعائلتي بعد أسبوعين من سقوط بغداد

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali