قصص من الشارع

حين تدخل الحرب إلى البيت.. النساء في جنوب العراق تحت ضغط العنف والخوف

17/04/2026

مرتضى الحدود- ذي قار 

في الناصرية، كما في مدن الجنوب العراقي القريبة من ارتدادات الحرب على إيران، لا تبقى أخبار الصواريخ والتصعيد العسكري مجرد عناوين عابرة على الشاشات. هنا، تتسلل الحرب سريعاً إلى تفاصيل الحياة اليومية، إلى القلق على الرواتب والخوف من الغلاء وأزمات الوقود والحديث المتوتر على موائد الطعام، ثم إلى البيوت نفسها حيث لا يظهر أثرها في نشرات الأخبار بقدر ما يظهر في الوجوه ونبرة الكلام، والعلاقات المتصدّعة خلف الأبواب المغلقة.

في هذا المناخ المشحون، تجد نساء كثيرات أنفسهن في مواجهة نوع آخر من الحرب، حرب يومية صامتة داخل المنزل يتضاعف فيها العنف النفسي والجسدي تحت وطأة القلق والعجز والخوف من المستقبل.

أم محمد، البالغة من العمر 34 عاماً، واحدة من هؤلاء النساء. لم تكن تتوقع أن يتحول التوتر العام الذي يملأ المدينة إلى ضغط مباشر داخل بيتها، ولا أن تصبح الحرب التي بدت في بدايتها حدثاً بعيداً يُتابع عبر الأخبار، سبباً في تبدل مزاج زوجها وسلوكياته داخل المنزل.

تقول للمنصة بصوت يختلط فيه الخوف بالتعب: “حياتي في الوقت الحالي اختلفت عن الفترات الماضية. منذ اندلاع الحرب الأخيرة وحتى الآن، بدأ زوجي، وهو موظف حكومي، يعاني من قلق متزايد بسبب تأخر راتبه الشهري. بعد أن كان الراتب يصل بشكل منتظم، بدأ في الأشهر الأخيرة يتأخر بسبب الموازنة، لكن مع دخول الحرب صار الأمر عبئاً وضغطاً كبيرين، وخلق حالة من القلق المستمر”.

وتضيف عن زوجها: “لم يعد كما كان سابقاً، فهو اليوم سريع الغضب، يصرخ بشدة لأبسط الأسباب، بل تعدى الأمر إلى ضربي دون مبرر واضح، وكل حديث يتحول إلى مشكلة”.

هذا التوتر، كما تقول، لم ينعكس عليها وحدها، بل امتد إلى أطفالها أيضاً، الذين باتوا يعيشون في حالة صمت دائم. وتضيف “أطفالي الذين اعتادوا على اللعب باستمرار بحضور أبيهم، صاروا اليوم يلتزمون الصمت عند عودته من العمل، وكأنهم يخشون الحركة… البيت أصبح كابوساً”.

ورغم أنها تدرك حجم الضغط الذي يعيشه زوجها، والظروف التي يمر بها البلد إلا أنها ترى أن ذلك لا يبرر ما يحدث داخل المنزل، وتقول إن الحياة والأرزاق وتسيير الأمور كلها بيد الله تعالى.

لا تبدو قصة أم محمد استثناءً في مدينة تعيش يومياً على وقع القلق الاقتصادي والسياسي. فمع كل تصعيد إقليمي جديد يعود الخوف من انعكاساته على الرواتب والأسعار وتوفر الوقود وحركة العمل، لتدخل هذه المخاوف إلى البيوت وتعيد تشكيل العلاقات داخلها.

في جانب آخر من المدينة، في أحد الأحياء الواقعة على أطرافها، تعيش أم صادق البالغة من العمر 36 عاماً، تجربة لا تقل قسوة عن تجربة أم محمد. فزوجها، وهو عامل بناء يعتمد في معيشته على الأجر اليومي تأثر عمله بشكل مباشر بالحرب.

تقول إن كثيراً من الناس أوقفوا مشاريع البناء خوفاً من المستقبل، وفضلوا ادخار أموالهم، ما أدى إلى تراجع فرص العمل بشكل كبير. وتضيف “لم يعد زوجي يعمل سوى يوم أو يومين في الأسبوع، بعد أن كان يشتغل ستة أيام ويأخذ يوماً واحداً للراحة. الآن أصبح دخله لا يتجاوز 100 ألف دينار، وهو مبلغ لا يكفي لتغطية احتياجات الأسرة الأساسية”.

تشير أم صادق إلى أن وجود زوجها في المنزل طوال الوقت زاد من مستوى التوتر، إذ يقضي ساعات طويلة في متابعة الأخبار، ما يفاقم قلقه، و”مع كل تغيّر في الأسعار يصبح الوضع داخل البيت أكثر سوءاً”.

وتتضيف أن الصور التي يشاهدها عن النزوح والدمار، خصوصاً في جنوب لبنان، أعادت إلى ذهنه ذكريات مؤلمة من فترات سابقة، كالحصار الاقتصادي الذي مرّ به العراق والانتفاضة الشعبانية في تسعينيات القرن الماضي، ما دفعه إلى مزيد من الانعزال والتوتر.

“حين نسمع في الأخبار عن إغلاق مضيق هرمز أو توقف تصدير النفط، يتغير وجه زوجي.. كأن المستقبل كله انهار أمامه”.

أما منى حسن، فكانت تجلس في إحدى غرف منزلها، تطالع الشارع من نافذة غرفتها بصمت، كأنها تراقب حركة الناس وتحاول أن تفهم كيف تتبدل حياتها مع كل أزمة وقود. ليس لأنها لا تجد وسيلة للتنقل، بل لأن زوجها سائق الأجرة يفقد معها توازنه، ومعه تفقد الأسرة هدوءها. تقول بصوت متعب: “كلما حصلت أزمة في الوقود، فهذا يعني أن يوماً قاسياً ينتظرنا”.

زوج منى الذي يقضي يومه خلف مقود مركبته لم يعد قادراً على العمل كما في السابق. ففي أوقات الأزمات لا يعمل سوى ساعتين فقط، ولا يكسب خلالهما أكثر من 25 ألف دينار أو أقل، قبل أن يعود إلى المنزل مثقلاً بالعجز. تضيف: “يعود وهو غارق في التفكير، كأن كل شيء فوق رأسه، وحينما يتحدث فهو ينفجر”.

ترى منى أن الأخبار أصبحت جزءاً من المشكلة، لا مجرد خلفية للحياة اليومية، وتقول: “حين نسمع في الأخبار عن إغلاق مضيق هرمز أو توقف تصدير النفط، يتغير وجهه.. كأن المستقبل كله انهار أمامه”.

هذا القلق المتراكم، كما تصفه، لا يبقى محصوراً داخله بل يتسرب إلى تفاصيل البيت اليومية. يتحول الصمت إلى توتر، والتوتر إلى كلمات قاسية، ثم إلى صراخ يملأ الجدران. وتقول: “مرة يشتم، ومرة يرفع صوته، ووجهه دائماً عابس”.

لكن أكثر ما يؤلمها، كما تقول، ليس ما يحدث لها، بل ما يتركه ذلك من أثر على طفلتها الصغيرة التي لم تعد تحتمل أجواء القلق والتوتر داخل المنزل.

هذه الحكايات الفردية كما يقول ناشطون ومختصون، ليست مجرد وقائع منفصلة، بل جزء من نمط آخذ في الاتساع حيث تتحول الضغوط الاقتصادية والمخاوف الأمنية والتوترات الإقليمية إلى عنف داخل المنزل، غالباً ما تتحمل النساء كلفته الأولى.

في هذا السياق، يكشف رئيس منظمة التواصل والإخاء الإنسانية، الدكتور علي الناشي، عن أرقام صادمة، مؤكداً أن حالات العنف الأسري المسجلة رسمياً في الدوائر المختصة خلال عام 2025 بلغت 1705 حالات اعتداء من الأزواج على زوجاتهم، في حين أن الحالات غير المسجلة، خصوصاً في القرى والأرياف، تتجاوز 2000 حالة، ما يشير إلى فجوة واسعة بين الواقع وما يُوثَّق رسمياً.

ومع دخول عام 2026، لم تتراجع الأرقام، بل بدأت بالتصاعد، إذ يشير الناشي إلى تسجيل 53 حالة عنف في كانون الثاني، و74 حالة في شباط، و81 حالة في آذار، وهو الشهر الذي تزامن مع اندلاع الحرب. ويصف ذلك بأنه مؤشر واضح على منحنى آخذ بالارتفاع في ظل ظروف معيشية ونفسية تزداد تعقيداً.

ويشير الناشي إلى أن أسباب المشكلة متعددة، إلا أن الضغط الاقتصادي يأتي في مقدمتها، خصوصاً أن محافظة ذي قار تُعد من المناطق التي تسجل نسباً مرتفعة في الفقر، ما يجعل كثيراً من العائلات تعيش على حافة القلق الدائم، وهو قلق يتحول في كثير من الأحيان إلى غضب داخل المنزل.

لا تقف الأسباب عند هذا الحد، إذ يلفت إلى عوامل اجتماعية راسخة، مثل الزواج المبكر، والزواج القسري، وضعف الوعي النفسي لدى الرجال في التعامل مع الضغوط، وغياب ثقافة اللجوء إلى الدعم أو الاستشارة النفسية، مؤكداً أن كل ذلك يخلق بيئة قابلة للانفجار عند أول أزمة.

أما الحرب، وفق الناشي، فقد أضافت طبقة جديدة من الضغط لم تكن موجودة بهذا الشكل من قبل، ويقول: “المستقبل غير واضح، والرواتب غير مستقرة، والخوف من ارتفاع الأسعار يدفع العائلات إلى التفكير بتخزين المواد الغذائية”.

ويضيف “هذا السلوك، رغم كونه محاولة للحماية، يتحول في بعض الأحيان إلى سبب للخلاف داخل المنزل. تتصاعد التوترات حين تطلب الزوجة زيادة في خزين الطعام، بينما يقف الرجل عاجزاً عن توفير المال الكافي. فبين الحاجة والخوف، يتولد احتكاك يومي قد يبدأ بنقاش وينتهي بعنف”.

مع دخول عام 2026، لم تتراجع الأرقام، بل بدأت بالتصاعد، إذ يشير الناشي إلى تسجيل 53 حالة عنف في كانون الثاني، و74 حالة في شباط، و81 حالة في آذار، وهو الشهر الذي تزامن مع اندلاع الحرب. ويصف ذلك بأنه مؤشر واضح على منحنى آخذ بالارتفاع في ظل ظروف معيشية ونفسية تزداد تعقيداً.

لا يتوقف الأمر عند الاقتصاد فقط، فوسائل التواصل الاجتماعي كما يوضح الناشي، أصبحت عاملاً إضافياً للضغط، خصوصاً على النساء، في ظل حالات استغلال أو ابتزاز أو حتى مقارنات اجتماعية تزيد من شعورهن بالهشاشة.

من جهته يقول الطبيب الاختصاصي في الأمراض النفسية، إبراهيم الصائغ، إن الوضع الراهن فرض حالة من القلق المستمر على العائلات، وانعكس بشكل مباشر على طبيعة العلاقات داخل الأسرة، موضحاً أن الرجل بات أكثر حساسية تجاه أي تفصيل يومي.

ويضيف أن كثيراً من الأزواج أصبحوا غير قادرين على تقبّل أي تقصير من الزوجة، نتيجة الضغط النفسي المتراكم والخوف من المستقبل، مشيراً إلى أن هذا القلق يدفعهم إلى الإلحاح المستمر على ضرورة الادخار والتقليل من الإنفاق، وحتى التدخل في تفاصيل الحياة اليومية داخل المنزل، مثل كمية الطعام المطبوخ أو طريقة استخدام المواد الأساسية.

ويشير الصائغ إلى أن هذا السلوك لا يأتي من فراغ، بل من حالة تفكير مفرط بما قد تحمله الأيام المقبلة، خصوصاً مع المخاوف من استمرار الحرب أو احتمالات النزوح، وما يرافق ذلك من انعدام الاستقرار.

يقول الصائغ “العائلات دخلت فعلياً في دائرة من التوتر والجدال المستمر”، لافتاً إلى أن هذه الحالة النفسية تجعل المنزل بيئة مشحونة، حيث يتحول الحوار اليومي إلى نقاش حاد، ثم إلى خلاف متكرر، قد يتفاقم في بعض الأحيان.

إلى ذلك، كشف المرصد العراقي لحقوق الإنسان عن أرقام صادمة توثق حجم العنف الأسري خلال العام الماضي، إذ بلغ عدد الحالات المسجلة رسمياً لدى الجهات المختصة 36289 حالة خلال عام 2025. وأشار المرصد إلى أن هذه الأرقام لا تمثل سوى جزء من الواقع، إذ تبقى آلاف الحالات طي الكتمان، بعيداً عن الإبلاغ الرسمي، في ظل اعتبارات اجتماعية وضغوط عائلية تمنع كثيراً من النساء من التقدم بشكاوى.

والأكثر إثارة للقلق، بحسب المرصد، هو أن حالات اعتداء الأزواج على زوجاتهم بلغت 19587 حالة، ما يجعل النساء الفئة الأكثر تضرراً داخل هذا الملف، ويعكس عمق الأزمة داخل البيئة الأسرية. كما أشار إلى أنه عند مقارنة هذه الأرقام بإحصائيات وزارة الداخلية العراقية لعام 2024، تتضح صورة أكثر قتامة، إذ لم تتجاوز الدعاوى المسجلة حينها 14 ألف حالة، قبل أن تقفز في عام واحد فقط إلى أكثر من 36 ألف حالة.

هذا الارتفاع الحاد، الذي تجاوزت نسبته 150% خلال عام واحد لا يمكن اعتباره مجرد زيادة رقمية، بل مؤشراً خطيراً على تفاقم العنف الأسري وتحوله إلى ظاهرة آخذة في الاتساع، في ظل ضغوط اقتصادية ونفسية متزايدة تعيشها الأسر العراقية.

وبين الأرقام المعلنة والواقع غير المرئي، تبقى الحقيقة الأكثر قسوة أن ما لم يُسجّل قد يكون أشد وطأة، وأن العنف داخل المنازل لم يعد حالات فردية معزولة بل أزمة اجتماعية تتطلب تدخلاً عاجلاً قبل أن تتعمق أكثر.

وسط هذه المعطيات تبدو الصورة أكثر قتامة عن نساء يعشن بين خوفين، خوف من الخارج حيث الحرب، وخوف من الداخل حيث العنف، ورجال ينهكون تحت ضغط العجز من دون أدوات نفسية تساعدهم على احتواء أزماتهم.

وفي هذه المساحة الضيقة بين القلق والصمت، تتكاثر الحكايات التي لا تصل إلى الدوائر الرسمية، لكنها تُعاش يومياً خلف الأبواب المغلقة.

أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali