مرتضى الحدود- ذي قار
قبل أن تستيقظ الناصرية تماماً، يكون أحمد حسن قد وصل إلى رصيف شارع إبراهيم الخليل. السماء لم تضئ بعد، فيما يبدأ الشارع باستقبال حركته الأولى. يقف أحمد إلى جانب عمال آخرين ويراقب السيارات العابرة، منتظراً أن تتوقف إحداها بحثاً عن عامل.
لا يعرف ماذا سيحمل له ذلك اليوم. قد يجد من يحتاجه لتحميل بضاعة أو للعمل في ورشة بناء، وقد يمضي ساعات في الانتظار قبل أن يعود إلى بيته كما خرج منه، من دون أن يحصل على دينار واحد.
تجاوز أحمد الثلاثين بقليل. يلف كوفية حول رأسه ويرتدي قميصاً علقت به آثار الغبار. لم يعد يبحث عن وظيفة ثابتة أو فرصة طويلة الأمد، ما يريده الآن هو يومية تساعده على تدبير احتياجات بيته، حتى لو لم تتجاوز عشرة آلاف دينار.

قبل أن يصل إلى هذا الرصيف، كان يعمل في أحد المشاريع المنفذة في محافظة ذي قار. كان لديه عمل منتظم ودخل يومي يستطيع أن يرتب على أساسه نفقاته، إلى أن توقف المشروع مع تأخر تسديد المستحقات المالية للشركة المنفذة.
كان العمال بين أول من انعكس عليهم التوقف. سُرّح أحمد مع آخرين وانقطع مصدر دخله، ليعود إلى سوق العمل اليومي، مكان لا يضمن له عملاً في اليوم التالي، ولا أجراً محدداً إذا وجده.
بالقرب منه يقف أبو علي، الذي انتقل هو الآخر من العمل في المشاريع إلى انتظار اليومية. يعيل أسرة من سبعة أفراد، ولا يحمل شهادة تساعده على الحصول على وظيفة، كما لا يتقاضى راتباً من الرعاية الاجتماعية.
كان أبو علي يحصل أثناء عمله في المشاريع على نحو 30 ألف دينار يومياً، ويقول إن العمل كان يستمر عادة حتى انتهاء المشروع، بما يوفر له دخلاً قد يصل إلى نحو 900 ألف دينار شهرياً. أما اليوم، فلم تعد اليومية مضمونة، قد يقف ساعات على الرصيف قبل أن يجد شخصاً يحتاج إلى عامل، وقد لا يجد.

بالنسبة إلى الرجال الواقفين هنا، لا يتعلق الانتظار بفرصة عمل لذلك اليوم فقط، بل بالدخل الذي سيعودون به إلى أسرهم. أما أبو حسين، 45 عاماً، فكان توقف المشروع الذي يعمل فيه بداية قلق من نوع آخر. ومع تراجع التخصيصات المالية وتوقف العمل، واجه احتمال فقدان مصدر رزقه الوحيد، قبل أن يضطر إلى ترك المشروع والبحث عن فرصة أخرى.
يعيل أبو حسين أسرة من خمسة أفراد، ويدفع إيجار منزل يبلغ 350 ألف دينار شهرياً. وله ثلاثة أطفال، اثنان في المرحلة الابتدائية والثالث في المتوسطة، بما يعني مصاريف دراسة ونقل وطعام تستمر حتى عندما يتوقف دخله.
“أصعب ما يواجهه اليوم ليس البحث عن عمل جديد فحسب، وإنما الخوف من أن تطول فترة البحث بينما تبقى الالتزامات كما هي، فالإيجار يأتي في موعده، ومصاريف أطفاله لا يمكن تأجيلها”- أيو حسين (عامل مياوم)
يقول إن أصعب ما يواجهه اليوم ليس البحث عن عمل جديد فقط، وإنما احتمال أن تطول فترة البحث فيما تبقى الالتزامات كما هي، الإيجار يأتي في موعده، ومصاريف الأطفال لا يمكن تأجيلها، فيما لا تمنحه الحياة اليومية وقتاً لانتظار تحسن أوضاع المشروع.
أحمد وأبو علي وأبو حسين ليسوا حالات منفردة. ففي تموز/يوليو 2026، أعلن اتحاد المقاولين في ذي قار أن قرابة 30 ألف عامل تأثروا بتوقف المشاريع في المحافظة، مقدراً نسبة شركات القطاع الخاص العاملة في المشاريع الحكومية التي توقفت عن العمل بنحو 95 في المئة.
وتقول وزارة التخطيط إن مستحقات المقاولين المتأخرة تمثل ملفاً حكومياً قائماً، تتولى دائرة البرامج الاستثمارية الحكومية متابعته بالتنسيق مع وزارة المالية وديوان الرقابة المالية، إلى جانب متابعة المصروفات الفعلية لمشاريع الاستثمار وتنمية الأقاليم.
ويقدّر رئيس اتحاد المقاولين في ذي قار، علي كاظم الجابري، قيمة المستحقات الواجب دفعها للمقاولين في المحافظة بنحو 535 مليار دينار، منها قرابة 385 ملياراً ضمن صندوق إعمار ذي قار، ونحو 150 مليار دينار ضمن الموازنة المحلية.
وبحسب الجابري، تضررت أكثر من 400 شركة كانت تتولى تنفيذ نحو 1200 مشروع في المحافظة، وأدت الأزمة، وفق تقديرات الاتحاد، إلى تسريح قرابة 30 ألف عامل، غالبيتهم يعملون بأجر يومي.
ولا تتوقف المشكلة عند مستحقات ذي قار. ففي منتصف تموز/يوليو 2026، أعلن اتحاد المقاولين العراقيين بدء صرف مستحقات في بعض المحافظات، مشيراً إلى توجيه حكومي بصرف تريليون دينار كدفعة أولى ووضع جدول زمني لتسديد بقية المستحقات.

وقال عضو الاتحاد أحمد الحذاف، في تصريح صحفي، إن الاتحاد يسعى إلى “إعادة الثقة بقطاع المقاولات، وإرجاع حقوق المقاولين وتسديد مستحقاتهم المالية”، مشيراً إلى أن الاتحاد عقد لقاءين مع رئيس مجلس الوزراء تلقى خلالهما وعوداً بالتسديد.
وأضاف أن رئيس الوزراء أبلغ الاتحاد بصرف تريليون دينار كدفعة أولى، مع وضع جدول زمني لبقية الأموال، معتبراً أن تحسن ظروف تصدير النفط قد يساعد على استكمال عمليات الدفع.
ووفق الحذاف، يبلغ إجمالي المستحقات المالية التي يشملها الملف على مستوى العراق قرابة 37 تريليون دينار، وهي مبالغ مترتبة على جهات ووزارات ومقاولين وتجار.
وفي ذي قار، كشف معاون المحافظ للشؤون الفنية عبد الأمير الجابري عن وصول دفعة بنحو 30 مليار دينار لتسديد جزء من مستحقات المقاولين المترتبة ضمن موازنة المحافظة، والبالغة إجمالاً نحو 152 مليار دينار.

لكن المبلغ الواصل لم يكن متاحاً بكامله لتسديد مستحقات شركات المقاولات، بحسب رئيس اتحاد المقاولين في المحافظة علي كاظم الجابري. إذ يقول إن نحو 13 مليار دينار منه خُصص لموازنة الأمن الغذائي، بعدما كان المبلغ قد سُحب سابقاً من موازنة المحافظة عبر مناقلة داخلية ثم أعيد إليها، ليُحتسب ضمن الأموال الواصلة من دون أن يمثل تمويلاً جديداً متاحاً للمقاولين.
وبذلك، لم يتبق من الدفعة سوى جزء يمكن توجيهه إلى الشركات. ويقول الجابري إن التسديد يجري حالياً بنسب متفاوتة من إجمالي المستحق لكل مقاول، بدلاً من دفع المستحقات المتراكمة كاملة.
وتكشف أرقام سوق العمل حجم الأثر الذي يمكن أن يحدثه خروج عشرات الآلاف من العمال من مشاريع المحافظة. فوفق بيانات عام 2024، بلغ معدل النشاط الاقتصادي في ذي قار 31.6 في المئة بين السكان بعمر 15 عاماً فأكثر.
ويبلغ إجمالي سكان المحافظة 2,440,887 نسمة، فيما تشير بيانات التركيب العمري إلى أن 58.98 في المئة منهم تتراوح أعمارهم بين 15 و64 عاماً، و3.25 في المئة تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر. وبالاستناد إلى هذه النسب ومعدل النشاط الاقتصادي، يمكن تقدير عدد النشطين اقتصادياً في المحافظة بنحو 480 ألف شخص.

وبهذا الحساب التقريبي، يعادل تسريح نحو 30 ألف عامل أكثر من ستة في المئة من حجم السكان النشطين اقتصادياً في ذي قار، وهي نسبة توضح أن توقف المشاريع لا يقتصر أثره على شركات المقاولات نفسها.
ويضع الخبير الاقتصادي الدكتور علي الشامي المشكلة في إطار أوسع، يبدأ، بحسب رأيه، من طريقة تخطيط المشاريع وتمويلها منذ إحالتها.
الخبير الاقتصادي علي الشامي: “المقاول لا يعمل بمعزل عن سلسلة طويلة من الالتزامات..يدفع أجور العمال، ويتعامل مع المقاولين الثانويين والمجهزين، ويشتري المواد، وقد يلجأ إلى الاقتراض عندما تتأخر الدفعات الحكومية”
فقد يحصل مشروع ما على تخصيص مالي عند إطلاقه، بينما تمتد مدة تنفيذه إلى عام أو أكثر، ما يجعله بحاجة إلى تمويل في سنوات لاحقة. وعندما يكون التخصيص موجوداً من دون توفر السيولة اللازمة، يتأثر التنفيذ سريعاً، لأن المقاول يعتمد على الدفعات والسلف المرحلية لتمويل العمل.
يقول الشامي إن “المقاول لا يعمل بمعزل عن سلسلة طويلة من الالتزامات”، فهو يدفع أجور العمال، ويتعامل مع مقاولين ثانويين ومجهزين، ويشتري الحديد والحصى والرمل وغيرها من المواد، وقد يلجأ إلى الاقتراض أو تحرير الصكوك عندما تتأخر الدفعات الحكومية. وهنا لا تبقى المشكلة مجرد دفعة مالية متأخرة بين جهة حكومية وشركة. فالتأخير ينتقل عبر سلسلة من الالتزامات إلى المقاولين الثانويين والمجهزين وأصحاب الآليات، وصولاً إلى العامل الذي ينتظر أجره.

ويلفت الشامي إلى أن وزارة التخطيط معنية بتحديد السقوف المالية للتخصيصات، فيما تقع إدارة التمويل وتوفير السيولة ضمن مسؤوليات وزارة المالية.
وخلال عام 2026، ناقشت وزارة التخطيط أكثر من مرة ملف المشاريع المتوقفة والمتلكئة وآليات تمويلها. كما أكدت، عند مناقشة خطط المحافظات لعام 2027، أهمية أخذ الالتزامات المالية للمشاريع المستمرة ومستويات الإنجاز في الاعتبار قبل تحديد أولويات التمويل الجديدة.
ولا يعني توقف المشروع، وفق الشامي، أن كلفة الأزمة تتجمد عند النقطة التي توقف فيها العمل. فالمشروع الذي يبقى متوقفاً فترة طويلة قد يحتاج إلى أعمال إضافية قبل استئنافه، خصوصاً إذا تعرض جزء مما أنجز فيه للضرر أو الاندثار.
ويقدّر الشامي، استناداً إلى خبرته العملية، أن الخسارة في بعض هذه الحالات قد تصل إلى نحو 20 في المئة من قيمة المشروع.
وهكذا تنتقل أزمة تمويل تبدأ داخل الموازنة إلى خارج دفاتر الدولة: من الجهة الحكومية إلى شركة المقاولات، ومنها إلى المجهزين والمقاولين الثانويين والعمال، ثم إلى أسر تعتمد على ذلك الدخل في إيجار المنزل والطعام والدراسة.
وفي صباح اليوم التالي، يعود أحمد ورفاقه إلى الرصيف نفسه في شارع إبراهيم الخليل. لم يعودوا ينتظرون استئناف مشروع أو دفعة حكومية يعرفون موعدها. يقفون أمام السيارات العابرة، على أمل أن تتوقف إحداها ويطلب صاحبها من يحمل بضاعة، أو يرفع أنقاضاً، أو يعمل لساعات في أحد مواقع البناء.
وحتى ذلك الحين، يبقى دخل ذلك اليوم معلقاً بسيارة قد تتوقف، وقد تمر.
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



